يرى بأنه يصدق بعضه بعضا مثل قول الله عز وجل: {وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ}
[البقرة: 26] (وقوله: {كَذََلِكَ يَجْعَلُ اللََّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:
125]، وقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً} [محمد: 17] . وهي من المتشابه عند المعتزلة لأن ظاهرها يوهم أن الله عز وجل هو الذي يضل الفاسقين، ويجعل الرجس، ويهدي المهتدي.
ألا ترى أن مجاهد بن جبر قد أدخلنا بهذا الاستشهاد على المتشابه في سياق التأويل الاعتزالي للمتشابهات؟ فقد كان الحسن البصري (ت 110هـ) يستشهد بقوله تعالى: {وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ} [البقرة: 26] على خلق الإنسان لفعله وقدرته عليه ومسئولية عنه. وينسحب هذا على الآية الثانية لأنه وإن لم ينصّ عليه، فإنه في تأويله لها دلّ على أنها وظفت من القائلين بالجبر ضد المعتزلة [1] . ونستخلص من هذا أن مجاهد قد نزّل بعض النصوص من آي الذكر الحكيم منزلة التشبيه والتمثيل، وهذا منهج قرره المعتزلة فيما سنذكره لاحقا في تفسيرهم للنصوص التي فسروا على منوالها قوله عزّ وجلّ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ (22) إِلى ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ}
[القيامة: 22، 23] بأن (ناظرة) معناه منتظرة ثواب ربها. وقد ذكرنا تفصيله قبل [2] .
ولعل هذا التوسع في حرية الرأي عند مجاهد أنتج تحفظ المتحرّجين من القول بالتفسير بالرأي، ومن أن يتجنبوا تفسيره. غير أن تساهله مع نفسه في هذا الاجتهاد لم يكن لينال من قيمته [3] لذا قرب بهذه السمة في تفسيره من الخلاف والجدل حول القدر والجبر والحرية. ويمكن القول بأن حرصه أيضا على تتبع
(1) انظر د. نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 145.
(2) انظر ابن قتيبة، الاختلاف في اللفظ، ص، 30اختلف المفسرون في تأويل (ناظرة) قال بعضهم: تنظر إلى ربها. أو ينظرون إلى الله عز وجل لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم وهو معنى قوله: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} الآية، وقال بعضهم: تنتظر الثواب من ربها: تفسير الطبري، ج 29، ص، 192وقال القرطبي (ت 671هـ) : ذهب جمهور العلماء إلى أن (ناظرة) : تنظر إلى ربها، وقيل: النظر هنا ما لهم عند الله من الثواب: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد عبد الحليم البردوني، ج 19، ص 108107.
(3) انظر د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج 1، ص 109108.