فالمحكم من الآيات حسب ابن عباس التي يؤمن بها ويعمل بها، وهي التي تحدد الحلال والحرام أو بمعنى آخر هي آيات التشريع العملي. أما المتشابهات فهي الآيات التي يؤمن بها ولا يعمل بها، فهي لا صلة لها بالتشريع سواء نسخت عن حكمها، وبقيت في المصحف للتلاوة أم كانت من غير آيات الإحكام أصلا. ونحن نفهم من قول ابن العباس في المتشابه «والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به» [1] أنه أدخل الأساليب كالتقديم والتأخير والأمثال والقسم، وهي ظواهر أسلوبية عند أبي عبيدة (ت 224هـ) والفراء (ت 207هـ) ، والجاحظ (255هـ) ، وابن قتيبة (ت 276هـ) مدرجة ضمن المجاز الذي هو وسيلة التأويل بعد ذلك عند القاضي عبد الجبار (ت 415هـ) .
ويوافق مجاهد بن جبر (ت 104هـ) أستاذه ابن عباس في معنى المحكم الذي فيه الحلال والحرام، وأما غير ذلك فمتشابه لكنه يخالفه في تعريف المتشابه الذي
{جَمِيعًا} [الزمر: 53] إلى قوله جل وعلا {إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ} الآية. وإلى قوله: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} واختار بعض العلماء أن المحكم اسم مفعول من أحكم والإحكام الإتقان، ولا شك في ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد لوضوح مفرداته وإتقان تركيبه، ومتى اختل أحد الآمرين جاء التشابه. انظر تفسير القرطبي، ج 4، ص 11. وكذا ابن منظور (ت 711هـ) ، لسان العرب، ج 13، ص 504، والسيوطي، الدار المنثور، دار الفكر، بيروت، 1993م، ج 2، ص 144وما بعدها. وقد حكى بن حبيب النيسابوري أن في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتََابَ مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتََابِ وَأُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ} [آل عمران: 7] . ثلاثة أقوال: الأول: أن القرآن كله محكم لقوله عز وجل:
{كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ} [هود: 1] . الثاني: كله متشابه لقوله تعالى: {كِتََابًا مُتَشََابِهًا مَثََانِيَ}
[الزمر: 23] . الثالث: هو الصحيح انقسامه إلي محكم ومتشابه للآية المصدر بها. والجواب عن الآيتين أن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص، والاختلاف إليه، وبتشابهه كونه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز. وقال بعضهم: إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه وقد قال الله سبحانه: {لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] . والمحكم لا تتوقف معرفته على البيان كما لا يرجى المتشابه بيانه. واختلف في تعيين المحكم والمتشابه فقيل في المحكم: ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل. والمتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل المحكم: ما وضح معناه والمتشابه نقيضه. وقيل: المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها: محمد بن محمد بن محمد الغزي (ت 1061هـ) ، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، تحقيق خليل محمد العربي، الفاروق الحديثة، القاهرة، 1415هـ، ط 1، ج 2، ص 65.
(1) السيوطي، الدر المنثور، ج 2، ص 144.