أبواب الحديث الشريف شهد فيها محاولات فردية اجتهادية، فإنه انفصل لاحقا عن الحديث ليصبح علما بأصول ومناهج ومدارس على أيدي علماء [1] أجلّاء، وصار يعرف التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي وتأثر باتجاهات المفسرين، واصطبغ بثقافاتهم، وانطبعت التفاسير بما برع فيه العلماء المفسرون من معارف وفنون، يظهر ذلك في تتبع المسائل النحوية وتخريجها وإعراب القرآن خدمة للتفسير لدى الزجاج (ت 311هـ) [2] ، والنحاس (ت 338هـ) ، والواحدي [3]
(ت 468هـ) ، وكاللغويين الذين فسروا غريب القرآن كأبي عبيدة (ت 224هـ) ، وقطرب (ت 206هـ) ، وكالفقهاء الذين تتّبعوا آيات الأحكام فألّفوا كتب أحكام القرآن كالإمام الشافعي (ت 204هـ) له «أحكام القرآن» [4] ، ومن برع في العلوم العقلية انطبع تفسيره بها كالفخر الرازي [5] (ت 606هـ) ، وكالمتصوفة فسّروا بآرائهم منهم أبو بكر بن العربي (ت 543هـ) في كتابه: «العواصم من القواصم» [6] .
أما علماء الكلام فأوّلوا بعض آيات القرآن الكريم بما يتفق مع ما اعتقدوه من مذاهب، يهمنا منهم فرقة المعتزلة وأعلامهم الذين بذلوا جهودهم الفكرية منذ القدرية الأوائل إلى القدرية المعتزلة مدافعين عن عقيدة التوحيد منزّهين الله تعالى وناصرين الإسلام. تلك نية أوائلهم لكنهم عمّقوا البحث في مسائل الإلهيات ولم يكونوا وحدهم في هذا التعمق، وإنما قام أهل السنة بذلك أيضا، وعلى أي حال ليس بوسع العقل أن بقطع في تلك الغيبيات، ولا أن يدركها إلّا من خلال ما أخبر به الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز الحكيم.
(1) نهم ابن ماجة (ت 273هـ) وابن جرير الطبري (ت 310هـ) . وأبو بكر النيسابوري (ت 318هـ) وابن أبي حاتم (ت 327هـ) وأبو الشيخ بن حبان (ت 369هـ) والحاكم (ت 405هـ) وأبو بكر بن مردويه (ت 410هـ) : انظر د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج 1، ص 144.
(2) من كتبه «معاني القرآن» ، انظر عادل نويهض، معجم المفسرين، ج 1ص 13.
(3) هو علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه أبو الحسن الواحدي له = البسيط = تفسير كبير يغلب عليه الإعراب والشواهد واللغة. وله «الوسيط» وهو مختار من البسيط. وله = الوجيز =: انظر م ن، ج 1، ص 352.
(4) م ن، ج 2، ص 488.
(5) انظر، تفسيره مفاتيح الغيب.
(6) راجع عمار طالبي، آراء أبي بكر بن العربي الكلامية ج 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر. وكذا أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 2، ص 146145وكذا د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون ج 1، ص 149، 150ود. أحمد محمد الحوفي، الزمخشري، ص 100.