حين انطلق من اللغة في أن «الإيمان إفعال من الأمن، يقال أمنته وآمننيه غيري ثم يقال آمنه: إذا صدّقه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة» [1] ثم تساءل عن الإيمان الصحيح في ضوء ذلك فقيّد الإيمان بالصحيح ليحترز عن إيمان الفاسق ثم يجيب بأن الإيمان «أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعلمه» [2] وأضاف أن «من أخلّ بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق ومن أخلّ بالشهادة فهو كافر ومن أخلّ بالعمل فهو فاسق» [3] .
إن صاحب الكبيرة إذا غادر الدنيا بلا توبة فهو كافر عند الخوارج ولكنّ المرجئة عدّوه مؤمنا بينما منحه واصل بن عطاء منزلة بين الإيمان والكفر. وقد نص الزمخشري عليه بقوله: «ومن أخلّ بالعمل فهو فاسق» . أما أهل السنة والجماعة فقالوا بصحة إسلام الفريقين المتحاربين باعتبار الأصل السياسي للتسمية. ولا ريب في أنّ هذه الأحكام السالفة تمثّل في الواقع حلولا لمسألة عقلية أثارتها واقعتا الجمل وصفين إن لم تكن أثيرت قبل ذلك في ذاك الجدل حول صاحب المعصية [4] ، ثم ما لبثت هذه الحلول تمثل مذاهب فكرية للخوارج والمعتزلة وأهل السنة فيما بعد [5] . ويهمنا هاهنا في «الفاسق» موقف المعتزلة والزمخشري بالذات فهو غير مؤمن لأنه لم يتوفر على شروط الإيمان التي هي اعتقاد بالقلب وشهادة وإقرار باللسان وعمل الأركان.
والمعتزلة يتأولون الآيات الدالة على التشبيه أو تلك التي لا تليق بمقام الألوهية ويحملونها على ما هو أبعد عن التجسيم وعلى ما هو أليق بمقام الله عز وجل، وهم في هذا ساروا على الطريقة التي أسسها أبو علي الجبائي [6] ، يسيرون فيها على اللغة مع الاستشهاد بالشعر لعربي القديم لذا قال الزمخشري في قوله سبحانه:
(1) الكشاف، ج 1، ص 126.
(2) م ن، ج 1، ص 129128.
(3) م ن، ج 1، ص 129.
(4) انظر د. زكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول، دار الشروق، القاهرة، بيروت، ط 1، ص 63.
(5) دلّ الأول على تطرف إلى اليسار زعم فيه أن مقاتلي علي بمن في ذلك عائشة وطلحة والزبير كل منهم كافر وهم الخوارج. ومثّل الثاني موقفا معتدلا وهو ذلك الذي اتخذه واصل بن عطاء. والثالث: أهل السنة والجماعة الذين قالوا بإسلام الفريقين المتحاربين في معركتي الجمل وصفين. انظر م ن، ص 6968
(6) انظر د. محمود كامل أحمد، مفهوم العدل في تفسير المعتزلة للقرآن الكريم، ص 8281.