{إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا} [البقرة: 26] [1] : والحياء تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، واشتقاقه من الحياة.
يقال حي الرجل كما يقال نسى وحشى وشظى الفرس: إذا اعتلّت هذه الأعضاء، جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغيّر منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء وجمد في مكانه خجلا = ولا يرضى الزمخشري أن يوصف القديم الله سبحانه به لذا تساءل قائلا: «فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغيّر والخوف والذم وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا» قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه» ثم قال: «وكذلك معنى قوله: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها» ثم جوّز وقوع هذه العبارة في كلام الكفرة القائلين: أما يستحيي ربّ محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟ فجاءت على سبيل المقابلة ومطابقة الجواب للسؤال وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه [2] :
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت في إناء من الورد [3]
وقد فسّر الواحدي (ت 468هـ) قبله لا يستحيي: لا يترك ولا يخشى أن يضرب مثلا يبيّن شبها ما بعوضة. وذكر أن (ما) زائدة مؤكدة والبعوض صغار البق، الواحدة بعوضة فما فوقها فما هو أكبر منها والمعنى: أن الله تعالى لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر وحجة على من جحد
(1) قرأ ابن محيصن (يستحي) بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة. روي ابن كثير هذا وهي لغة تميم وبكر بن وائل نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء. انظر الكشاف، ج 1، ص، 264وكذا تفسير القرطبي، ج 1، ص 242.
(2) لكشاف، ج 1، ص 264263.
(3) البيت للمتنبي (الديوان، ج 1، ص 165) بشرح البرقوقي. وروي البيت كذلك (إذا ما استجبن) من الاستجابة.