في إطار التكليف هم متمكنون منه ويستطيعون أداءه وفق طاقتهم. يظهر هذا في قوله: «العدل هو الواجب لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم واقعا تحت طاقتهم» [1] وذلك لأنهم يرون بأنه يستحيل على الله عز وجل تكليف ما لا يطاق لأنه عندهم ظلم وجور وهو على الله محال، غير أن أهل السنة يعتقدون أن قضاء الله كله عدل سواء كان ما يطاق أم غيره [2] .
ويصرف المصنف الفعل (أغفل) إلى (جعل) في الآية: {وَلََا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنََا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنََا وَاتَّبَعَ هَوََاهُ وَكََانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] مستشهدا على ذلك من اللغة ليقر غفلة القلوب عن ذكر الله إنما كانت بالخذلان [3] الذي يفعله بهم عقوبة على ما اقترفوه قائلا: «من أغفلنا قلبه» : من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر بالخذلان أو وجدناه غافلا عنه كقولك: أجبنته وأفحمته وأبخلته: إذا وجدته كذلك أو من أغفل إبله: إذا تركه بغير سمة. أي إن لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: {وَاتَّبَعَ هَوََاهُ}
الآية» [4] . وقد أشار أبو حيان إلى رأي الرماني المعتزلي قبله. قال: «لم نسمه بما نسم به قلوب المؤمنين بما يبين به فلاحهم. كما قال: كتب في قلوبهم الإيمان من قولهم بغير غفل لم يكن عليه سمة وكتاب غفل لم يكن عليه إعجام» [5] .
ويبدو من تفسيري الرجلين: الزمخشري والرماني نزوع إلى أن العباد هم الخالقون أفعالهم عكس ما يراه أهل السنة في الآية نفسها دليلا على أنه عز وجل خالق أفعال العباد [6] .
ويبين عند الآية: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون 1] معنى الإيمان متسائلا ليصل في جوابه بعد بيان مدلوله اللغوي إلى كشف معناه المذهبي قائلا: «فإن
(1) الكشاف، ج 2، ص 424.
(2) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص 425.
(3) نظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج 1، ص 328.
(4) الكشاف، ج 2، ص 482.
(5) أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج 7، ص 167.
(6) أنظر تفسير النسفي، ج 3، ص 12.