قلت: ما المؤمن؟ هو في اللغة المصدق، وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين: أحدهما أن كل من تعلق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه فهو مؤمن، والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البر التقيّ دون الفاسق الشقيّ» [1] . وهو هنا بيّن المراد بالإيمان عند الأشعرية أولا ثم عند المعتزلة ثانيا مع أن الموحد في فرقته له منزلة بين الإيمان والكفر وسموه فاسقا وخلّدوه في النار. ولكن أهل السنة سموه ناقص الإيمان لا غير وبأنه مؤمن عاص أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته [2] . والفرق بينهم وبين المعتزلة أن أهل السنة جعلوا الأعمال كلها شرطا لصحة الإيمان بل جعلوا كثيرا منها شرطا في كماله كما ذكره عمر بن عبد العزيز: فيها من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل إيمانه، بينما جعل المعتزلة الأعمال كلها شرطا في الصحة [3] .
وذكر في تفسير قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكََاةِ فََاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] :
«الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير، والمعنى فعل المزكي الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له، ولا يسوغ فيها غيره لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل ويقال لمحدثه فاعل.
تقول للضارب فاعل الضرب وللقاتل فاعل القتل وللمزكي فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام والتحقيق فيه أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا؟
فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق» [4] ، فلم يكن ليطمئن أهل السنة لقوله:
«فاعله الله أو بعض خلقه» لأن فاعل الحوادث كلها عندهم إنما هو الله تعالى وحده إذ علقوا الأفعال جميعها بالله عز وجل وجعلوا الإنسان كاسبا لها فقط
(1) الكشاف، ج 3، ص 25.
(2) انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص، 356وانظر سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت 1233هـ) ، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض (د. ت) ، ص، 76وكذا عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي، اعتقاد الإمام ابن حنبل (د. ت) ، ص 301
(3) حافظ بن أحمد حكمي (ت 1377هـ) ، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، ج 2، ص 602.
(4) الكشاف، ج 3، ص 26.