{الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] قال في {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تقول العرب: «مثلك لا يبخل فنفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه وعمن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه، ونظيره قوله للعربي: العرب لا تخفر الذمم كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر، ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه يريدون إيفاعه وبلوغه فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قول ليس كالله شيء وبين قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الآية) إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها. وكأنهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته» [1] . فلا شيء يماثله من خلقه ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة ويكون بعدها، خالق كل شيء، ولا شريك له عز وجل، ولا تدل مشاركة العباد له في التسمية على مماثلته سبحانه لأن قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
قطع للتشبيه [2] فلا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ويوظف الطريقة اللغوية في التفسير تأكيدا لمراده في معنى الإحباط في الآية {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ} [الحجرات: 2] : «حبجت الإبل إذا أكلت العرفجة فأصابها ذلك. وأحبض عمله مثل أحبطه، وحبط الجرح وحبر إذا غفر وهو نكسه وتراميه إلى الفساد، جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض لمن يصاب به» ثم قال: «أعاذنا الله من حبط الأعمال وخيبة الآمال. وقد دلت الآية على أمرين هائلين: أحدهما أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله.
والثاني أن في آثامه ما لا يدري أنه محبط.
ولعله عند الله كذلك فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقّى ويتحفّظ» [3] .
(1) الكشاف، ج 3، ص 463462.
(2) انظر الغزالي أبو حامد، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، ص 48، 52وكذا ابن قيم الجوزية، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص 130، وكتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص، 90وكذا سليمان بن عبد الله بن محمد، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، ص 677.
(3) الكشاف، ج 3، ص 557.