ولكنه يبني كلامه السابق على مذهب الاعتزال في موقفين: الأول مع معنى الحرف (لعل) . والثاني: في معنى اختيار العبد لأفعاله.
لقد شاع في مباحث الإعراب في القرآن الكريم مبحث خاص للحرف (لعل) أنه حرف يفيد التوقع للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه. قال سيبويه: «إذا قلت: لعل زيدا ذاهب فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهاب» [1] وقال في أصلها: «لعل حكاية لأن اللام هاهنا زائدة بمنزلتها في لأفعلنّ ألا ترى أنك تقول:
علّك» [2] وبيّن أن «لعل وعسى: طمع وإشفاق» [3] فمن دلالتها على الترجي في المحبوب: لعل الله يغفر لنا، ودلالتها على الإشفاق في المكروه: لعل الله يغفر للمذنب ثم جاءت في كلام من يستحيل عليه الوصفان لأن الترجي للجهل بالعاقبة وهو محال على الله عز وجل وكذلك الخوف والإشفاق [4] .
قال الزمخشري: «لعل للترجي أو الإشفاق تقول: لعل زيدا يكرمني ولعله يهينني، وقال الله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ََ} [طه: 44] و {لَعَلَّ السََّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17] ألا ترى إلى قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهََا}
[الشورى: 17] . وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن ولكنه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا (عسى ولعل) ونحوهما من الكلمات فإذا عثر على شيء من ذلك منهم لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب فعلى مثله ورد كلام ملك الملوك ذي العز والكبرياء» [5] .
وإذا كان الزمخشري يريد أن علم الله محيط بكل شيء ومن كان كذلك فلا يجوز أن يقال فيه: «يرجو ويتوقع» فإنه فيما يبدو أنه يعد (لعل) هناك للتحقيق لا
(1) الكتاب، ج 2، ص 148.
(2) م ن، ج 3، ص 332.
(3) م ن، ج 4، ص 232.
(4) انظر الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4، ص 229.
(5) الكشاف، ج 2، ص 229.