ينكروا هذا [1] فالوقاية على ضوء قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] محققة لأنها مبنية على العبادة التي إذا فعلها المرء يحصّل التقوى [2] فيحترز عن المضار. وليست العبادة هي الاحتراز عن المضار بل هي توجب الاحتراز وعبادة الله عز وجل فعل للاتقاء به عن عقابه، وإذا قيل: إن فعل العبادة نفسه اتقاء فذاك مجاز لأن الاتقاء مخالف للفعل الذي سبّبه بيد أن ارتباط أحدهما بالآخر مكّن من إجراء اسمه عليه [3] .
ثم إن خلق المكلّفين إنما هو للتقوى وللطاعة لقوله سبحانه: {وَمََا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلََّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . وقد قيل: إن معنى الآية أن الله غني عن خلقه وهم مفتقرون إليه لقوله عز وجل: {مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمََا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] فكأن معنى الآية: وما خلقت الجن والإنس لينفعوني وإنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي [4] . قال الفخر الرازي في المعنى نفسه: كأن الله عز وجل أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا الغرض ونصّ على أنه تأويل مناسب لأصول الاعتزال [5] .
وعلى هذا فاستعمال (لعل) هنا استعمال فاء السببية من ناحية أن تحقق السبب مرتبط بوجود سببه. ورأى المعتزلة في إطار ذلك أن الله تعالى لا يفعل بالعباد إلا ما هو أصلح لهم [6] . أما أهل السنة ففسروا (لعل) بالطلب لما في الترجي من
(1) انظر د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، مدخل ودراسة، ص 301.
(2) يراد بالتقوى في الطاعة الإخلاص، ويراد في المعصية الترك والحذر. والعبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه. انظر الجرجاني، التعريفات، ص 1607978.
(3) انظر فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج 2، ص 101.
(4) انظر إمام الحرمين عبد الملك ابن عبد الله الجويني، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، علق عليه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1995م، ص 104.
(5) انظر مفاتيح الغيب، ج 2، ص، 101وكذا أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ج 1، ص 157156.
(6) انظر الخياط، الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، ص 64، 65والأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص، 313والقاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص، 3وابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 3، ص، 201وإمام الحرمين، كتاب الإرشاد، ص، 118والشهرستاني، الملل