وقد ذهب الدارسون إلى أن القول بأن الإنسان فاعل على الحقيقة إبطال لنظرية الكسب التي تضيف الفعل إلى الله خلقا، وإلى العبد كسبا، وبعبارة أخرى أن «أهل السنة كلهم وافقوا على أن أفعالنا لا تسمى مخلوقة من حيث نسبت إلينا، وإنما تسمى بذلك من حيث نسبت إلى الله تعالى» [1] فخصوم المعتزلة يرون: أن العبد يكتسب ولا يفعل ويذهبون إلى أن الفعل من ناحية الخلق والإيجاد من الله تعالى ولكنه من ناحية كونه طاعة أو معصية فمن العبد [2] ، ويفرقون بين فعل الخلق الذي هو لله سبحانه وبين الكسب الذي هو للعبد. وظاهر الخلاف في هذا بين المعتزلة وغيرهم لأن أهل السنة يجمعون أن الله تعالى خالق الأجسام والأعراض خيرها وشرها، وخالق أكساب العباد، ولا خالق غيره [3] بينما يرى المعتزلة أن الله تعالى لم يخلق شيئا من أكساب العباد لأن مجرد القول عندهم بالكسب يعدّ محاولة للهروب من القول بالجبر المطلق. فإذا كان جهم بن صفوان يعدّ الإنسان مسلوب القدرة لقوله: إن أفعال العباد غير متعلقة بهم، وإنما هم كالظروف لها غير مكتسبين ولا قادرين على أكسابهم، فإنّ الأشعري لا يختلف كثيرا عنه في الكسب لأنه رغم إثباته القدرة للإنسان فإنه لم يجعل لها أي أثر وهو جعل العبد محلا لقدرة الله لا غير. وبهذا جعل الأشاعرة تعلق الفعل بالعبد والحاجة إليه ليس الحدوث إنما الكسب فهم لا ينكرون تعلق الأفعال بالعباد واحتياجها إليهم بيد أنهم ينكرون أن تكون القدرة الإنسانية هي المؤثرة في الأفعال وفي هذا قال الأشعري: «وإنما معنى اكتسب الكفر: أنه كفر بقوة محدثة، وكذلك قولنا: اكتسب الإيمان: معناه أنه آمن بقوة محدثة من غير أن يكون اكتسب الشيء
مع الفعل والمعتزلة الذين يذهبون إلى أنها قبله قائلا: لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشروط التأثير لذلك حكم بأنها مع الفعل، وأنها لا تعلق بالضدّين. بينما أراد المعتزلة بالقدرة مجرد القوة العضلية لذلك قالوا: بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة. قال الألوسي: وهو جمع صحيح.
(1) ابن الوزير المرتضى اليماني، إيثار الحق على الخلق، ص، 312ود. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 251.
(2) انظر م ن، ص 291.
(3) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 338.