فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 451

على حقيقته بل الذي فعله على حقيقته هو رب العالمين» [1] فعلى هذا رأى القاضي عبد الجبار أن الكسب أكثر ما فيه أنه لا يوجد إلا في محل قدرة العبد [2]

فتصبح القدرة بذلك عبارة عن صفة متعلقة بالفعل لا على معنى أنها مؤثرة، وفي ذلك نفي للتقدير المتحقق النابع من القدرة، ومنه ينتفي كون صحة الفعل دلالة على أننا فاعلون قادرون [3] .

ومن أمعن النظر في معنى الكسب عند الأشاعرة أدرك توسطهم بين التقرب من مبدأ اختيار العبد للأفعال وبين ابتعادهم عما قال به الجبريون وهو مسعى توفيقي تلفيقي كما ذهب إليه بعضهم [4] . وذلك لأنهم حاولوا جعل معنى «الكسب» بديلا للاقتدار الكلي من الإنسان على أفعاله لكن المعتزلة حسموا موقفهم من هذه النظرية بجعلهم الإنسان أصلا لأفعاله، وبأنه خالقها ومبدعها، وحددوا معنى الكسب في اللغة بأنه «كل فعل يستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر» [5] لذا يسمي العرب ما يستجلب في الأفعال من منافع أو يستدفع بها من ضرر كسبا، وأن تلك الحرف مكاسب، وأن المتحرّف كاسب [6] . ومن هنا ذهب بعضهم أن ما يجتلب به العباد ثواب الجنة أو عقاب النار كسب لهم [7] .

ولعله من المهم أن نشير إلى أن الأشاعرة لم يقصدوا بالكسب [8] هذا المعنى اللغوي مثل ما ذكره القاضي عبد الجبار بل أرادوا به معنى اصطلاحيا سبق ذكره لهم.

وإذا كان من أهم حجج الأشاعرة للمعتزلة أن العبد لو كان فاعلا ومحدثا على الحقيقة لوجب أن يكون خالقا، وهذا حسب رأي الأشاعرة يهدم معنى الألوهية

(1) كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص، 74والبغدادي، الفرق بين الفرق، ص، 339وابن الوزير المرتضى اليماني، إيثار الحق على الخلق، ص، 312ود. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 252251.

(2) شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 65.

(3) أنظر د. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 252251.

(4) انظر م ن، ص 254.

(5) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 54.

(6) م ن، ج 2، ص 54.

(7) انظر د. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص 252.

(8) «الكسب أن يخلق الله للقدرة الحادثة، وأنها لا تتعلق بفعل خارج عن المحل فلا يقدر زيد على فعل عمرو ولا يتصور اثنان هما محل لفعل واحد» : الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت