فقد رأوا الحديث الشريف الذي ينهى عن التفسير بالرأي يقصد الرأي الذي لا يعتمد على أصل ثابت ولا على روح الشريعة. وقد روى الترمذي بسنده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الحديث عنّي إلا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» ، و «من قال في القرآن برأيه ليتبوأ مقعده من النار» [1] . وذكر القرطبي قولا لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد: قال: «فسّر حديث ابن عباس تفسيرين: الأول: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرّض لسخط الله. والثاني: وهو أثبت القولين وأصحهما معنى: من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار» ثم قال: «ومعنى يتبوأ ينزل ويحل» [2] ثم أضاف بعد هذا في التفسير بالرأي «إنّ من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ، وإنّ من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتّفق على معناها فهو ممدوح» [3] .
ومن هنا اجتهد كثير من العلماء في تفسير القرآن بعد أن أيقن كل منهم في نفسه الثقة بأنه استكمل عدة المفسّر، فأخذ التفسير يتأثر باتجاهات المفسرين ويصطبغ بثقافاتهم، فكان أن ظهرت تفاسير غلب عليها التعرض لمسائل النحو [4] مثل «معاني القرآن» للزجاج (ت 316هـ) ، و «البسيط» للواحدي علي بن أحمد بن متويه (ت 468هـ) ، و «البحر المحيط في التفسير» لأبي حيان الأندلسي (ت 794هـ) أو غلب عليها اللغة مثل «معاني القرآن» لقطرب المستنير (ت 206هـ) ، و «غريب القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت 210هـ) ، وغيرهما ممن ألف في غريب القرآن وركّز على المسائل اللغوية وهم كثيرون. وقد سميت كتب هذا المنحى «معاني القرآن» .
(1) جامع الترمذي، 3030وانظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت (د. ت) باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي، ج 1، ص 32انظر د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج 1، ص 248.
(2) الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 32.
(3) م ن، ج 1، ص 33.
(4) انظر أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 2، ص، 145ود. أحمد محمد الحوفي، الزمخشري، ص 100.