فمن مادة العدم وجد العالم. والله عز وجل هو مانح الوجود، لذا قصدوا بتقسيمهم الأشياء إلى هذين القسمين تنزيه ماهية الله المطلقة عن أن تشابه ماهية العالم ومن أن فعله فقط منح الوجود للمعدوم [1] . ويتفق موقفنا في هذا مع ما ذهب إليه بعض الدارسين [2] وهو كيف يكون المعدوم شيئا قبل أن يوجد لأن لفظ الشيء يطلق على ما هو موجود؟، وقد رأى الخياط ذلك قائلا: «إن الأشياء لا تكون أشياء قبل كونها» [3] . ويبدو من قول علي النشار: أن فعل الله هو الذي منح الوجود للمعدوم معناه أن فعل الله عز وجل هو منح الأشياء للأشياء على ما قاله. وظاهر أن التناقض بيّن هاهنا.
وقد أوجب المعتزلة في التفسير اتباع الدليل العقلي وردّ ما خالفه، ودعوا إلى حمله على ما يقبله العقل. أشار إلى هذا ابن المرتضى فيما ورد من النصوص التي ينافي ظاهرها عصمة الأنبياء مثلا ويقتضي وقوع الخطإ منهم مبينا أن في الكلام ما هو حقيقي وما هو مجازي، وقد يعدل المتكلم به عن ظاهره، وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك.
وجاء من هذا الكثير في كلام الله العزيز ما يوحي بالانتقال والحركة والتجسيم [4] ، والله منزّه عن ذلك فلا بد من العدول عما يقتضيه ظاهر الألفاظ فيه وتأوّله [5] .
ويظهر تمسك الزمخشري بالدليل العقلي هذا في تفسيره قوله: {قُلْ هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} [البقرة: 111] فقد رأى أن الآية أهدم شيء لمذهب المقلدين وبأن خلوّ أي قول من دليل عليه يجعله باطلا غير ثابت [6] ، وقوله في
(1) انظر نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف القاهرة، ط 7، 1973، ج 1، ص 426.
(2) انظر د. سعيد مراد، مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 529.
(3) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، ص، 108ود. سعيد مراد، مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 328.
(4) قوله تعالى: {جََاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] . وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمََامِ وَالْمَلََائِكَةُ} [البقرة: 210] .
(5) انظر أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد) ج 2، ص 399.
(6) انظر الكشاف، ج 1، ص 305.