الآية الكريمة: {هََؤُلََاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلََا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطََانٍ بَيِّنٍ}
[الكهف: 15] بأنه «تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت» [1] . وفسّر قوله عز وجل بما يعزز رأيه في ضوء منهج القول بالدليل العقلي: ف {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكََائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللََّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لََا يَهِدِّي إِلََّا أَنْ يُهْدى ََ فَمََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] معناه أن الله وحده الذي يهدي للحق بما خلق في العباد المكلفين من العقول، وبما منحهم من التمكين لينظروا في الأدلة بهذا الكون وبما منحهم من ألطافه ووفقهم وألهمهم به، وبما أرسله تعالى إليهم من الشرائع [2] فليس ثمة هداية غير هداية الله تعالى تهدي إلى الحق وتوصل إليه.
ومن تفسيره بالدليل العقلي قوله في الآية: {فَلََا يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا مَنْ لََا يُؤْمِنُ بِهََا وَاتَّبَعَ هَوََاهُ فَتَرْدى ََ} [طه: 16] بأن المعنى: اعلم أنهم وإن كثروا بعددهم فإنهم اتبعوا الهوى وجعلوه قدوتهم، فهم لم يتخذوا البرهان في إيمانهم، ولم يعتمدوه ويتدبروه، ولا ريب في أن هذا حث على الدليل ودعوة إلى العمل به [3] .
إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى عند المعتزلة لأنه قبيح تعالى الله عنه، فقد قالوا في قوله عز وجل: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام:
125]: إن الله تعالى يريد أن يضل الكافر، وإضلاله إياه تسميته إياه ضالا، وحكمه عليه بما كان منه من الضلال، فالله تعالى لا يضل أحدا. والإضلال عدم منح العبد الإلطاف وتركه مفتونا وتخليته بحاله لأنه ليس أهلا للإلطاف بصفاته وأفعاله، فيختار الضلالة [4] وقد اختلفوا في معناه فبعضهم أو أكثرهم على أنه التسمية لهم والحكم بأنهم ضالون كما سبق أو أنه ترك إحداث اللطف والتسديد الذي يفعله الله بالمؤمنين، وهذا الترك يحتمل أن يكون هو المراد به الإضلال.
(1) م ن، ج 2، ص 474.
(2) م ن، ج 2، ص 237.
(3) م ن، ج 2، ص 533.
(4) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج 1، ص 325.