فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 451

الإضلال [1] باعتباره تسمية بالضلال لم يخلقه الله تعالى لأنه لا يفعل القبيح، وبأن كل أفعاله حسنة [2] ونحن نجد تفسيره على هذا الأساس الاعتزالي في كثير من الآيات منها ما قاله في الآية: {قُلْ مَنْ كََانَ فِي الضَّلََالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمََنُ مَدًّا حَتََّى إِذََا رَأَوْا مََا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذََابَ وَإِمَّا السََّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكََانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا} [مريم: 75] من أن «المراد بالضلالة ما دعاهم من جهلهم وغلوّهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه ولا ينفكّون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها» [3] أو ما فسّر به قوله عز وجل: {مَنْ يَشَأِ اللََّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] «أي يخذله ويخلّه وضلاله لم يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف» [4] . ولا شك في أن تفسيره ينسجم مع معتقد المعتزلة المبني على أن الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال، وأنهما من جملة مخلوقات العباد وهو ما ردّه أهل السنة. ولم يخرج عن هذا المعنى في تفسير الآية: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلََا تَزِدِ الظََّالِمِينَ إِلََّا ضَلََالًا} [نوح: 24] .

حين قال: «فإن قلت كيف جاز أن يريد ولم يخرج عن هذا المعنى في تفسير الآية لهم الضلال ويدعو الله بزيادته؟ قلت: المراد بالضلال أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به بل لا يحسن الدعاء بخلافه» [5] .

(1) قال ابن المرتضى اليماني: «الإضلال من جنس العقاب، وقد دل السمع على أن الله خلق الخلق في الابتداء على الفطرة نعمة ورحمة لأوليائه ونقمة وحجة على أعدائه. ودل القرآن على أن الله تعالى يبدأ باللطف ثم يعاقب من يشاء ممن لم يقبل اللطف، قال تعالى: {إِنََّا هَدَيْنََاهُ السَّبِيلَ إِمََّا شََاكِرًا وَإِمََّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] . وقال: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20] وغيرها. ودل السمع على أنه تعالى يبتدئ بالإحسان من غير استحقاق، ولا يبتدئ بالعقوبة من غير استحقاق بل يمهل بعد الاستحقاق ويحكم، ويكرر الحجة ويعذر، ويعفو عن كثير ثم ينتقم ممن يشاء بالحكمة البالغة، ويعفو عمن يشاء بالرحمة الواسعة ، وما كان على جهة العقوبة لم يفعله الله بالعبد ابتداء قبل الاستحقاق، وما كان على جهة الابتداء الذي لا يصح التكليف إلا به فعله، وما زاد على ذلك مما يقع عنده المعاصي فهو مسألة الخلاف» : إيثار الحق على الخلق دار الكتب العلمية، بيروت، ص 273274.

(2) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 3.

(3) الكشاف: ج 2، ص 522

(4) م ن، ج 2، ص 17.

(5) م ن، ج 4، ص 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت