لذا جعلوا آيات كثيرة ينصرف فيها معنى الهدى والإضلال إلى معنى الخلق والإيجاد مثل: {وَاللََّهُ يَدْعُوا إِلى ََ دََارِ السَّلََامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
[يونس: 25] . وقوله: د {إِنَّكَ لََا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلََكِنَّ اللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ}
[القصص: 56] وقوله: د {فَمَنْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلََامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] وقوله: {مَنْ يَهْدِ اللََّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولََئِكَ هُمُ الْخََاسِرُونَ} [الأعراف: 178] ولا يمنع هذا وجود معان أخرى للهداية مثل الإرشاد المتعلق بالمؤمنين {فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بََالَهُمْ} [محمد: 4، 5] أو الدعوة كقوله عز وجل: {وَأَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى ََ عَلَى الْهُدى ََ} [فصلت: 17] .
إن فعل الإنسان عند المعتزلة هو بحد ذاته قدر لأنه تحقيق عملي لأثر معين، وهذا التحقيق العملي إحداث لا ينفصل عندهم عن عملية الخلق والتقدير وذلك لاستناده إلى إرادة الفاعل واختياره وقدرته [1] رغم إجماع غيرهم من أهل السنة على أن الله تعالى مالك كل مخلوق ورب كل محدث [2] ، فلا تتعلق صحة الفعل بالفاعل عند المعتزلة إلا لأن هذا الفاعل قادر على إخراجه من العدم إلى الكون بسبب منه [3] . ولما كان الإنسان الفاعل عاقلا مفكرا فإنه يمتنع في الحقيقة أن يوجد أي فكر نظري لا يستتبع عملا معينا إن لم يكن هو نفسه هذا العمل، فحين تزول الموانع وتكتمل الدواعي يحدث الفعل بالقدرة، وحين تكتمل المعرفة العقلية والبلوغ تكتمل معها القدرة على خلق الأفعال عندهم وعلى صفاتها الذاتية.
لقد علق المعتزلة السببية في الأفعال الإنسانية بذات الإنسان أي أنهم عدّوا الإنسان ذاتا فاعلة معتبرين إياها سببا يوجب وقوع المسببات عنه على سبيل
(1) انظر إمام الحرمين، كتاب الإرشاد، ص 79.
(2) م ن، ص 82.
(3) قال عبد الجبار المعتزلي: = الذي يدل على أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصدنا ودواعينا
كونه موقوفا على دواعينا ويقع بحسبها، وكما أنها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها فقد تقف على قصودنا أيضا وعلى آلاتنا وعلى الأسباب الموجودة من قبلنا =: شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 33، وانظر ج 1، ص 11.