فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 451

وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان» ثم قال: «يعنى أنه بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب» [1] .

فما الذي يفهم مما أثبت الله عز وجل بأنه سيسألهم عما فعلوه؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يضطرهم إلى الضلال؟ أما يفهم من هذا أن العباد هم المختارون لأفعالهم والقادرون عليها، وبأن معنى كسب الإنسان فعله ليس سوى أن الفاعل فعل بآلة وبجارحة وقوة مخترعة [2] ، وأهل السنة يردون هذه الخلفية الاعتزالية لأنهم يرون وقوع الشيء بقدرة محدثة ومن ثمة يكون كسبا لمن وقع بقدرته [3] ، ولا يخفى ما في هذا الرأي السني من إنكار أن يكون العبد هو الموجد لأفعاله، ولكنهم يقرّون مع هذا بأن لقدرة العبد أثرا لأن ذات الفعل وإن وقعت بقدرة الله سبحانه، فإنّ كونه طاعة ومعصية وصفات تحصل لها هي واقعة بقدرة العبد [4] ، ذلك أن الأشاعرة يفرقون بين الفعل وصفته فالطاعة والمعصية صفة لا فعل تكتسب نتيجة للفعل من حيث كونه طاعة أو معصية. بينما يعنى بالفعل الخلق والإيجاد، في حين يقصد بصفته الاكتساب. ومن هنا يكون فعل الله سبحانه للطاعة عندهم معناه خلقه لها، فلا يعنى ذلك وصفه بها إلا أن الإنسان يوصف بأنه طائع عاص، وليس في وصفه بهذا ما يعني خلقه للطاعة والمعصية [5] . وعلى هذا فالهداية دعاء للحق أو خلقه في القلوب كما أن الإضلال خلقه في قلوب أهل الضلال، وأن من أضله فبعدله ومن هداه فبفضله. ورأى كثير من أهل السنة أن القرآن الكريم اشتمل على آيات كريمة دلت على تفرد الله سبحانه بهداية الخلق وإضلالهم والطبع على قلوب الكفرة منهم. ولا ريب في أنها سندهم القوي السمعي أمام مخالفيهم [6]

(1) م ن، ج 2، ص 426427.

(2) مقالات الإسلاميين، ج 2، ص 221.

(3) م ن، ج 2، ص، 221والباقلاني (ت 409هـ) ، كتاب التمهيد، ص 307: قال: «معنى الكسب أنه تصرف في الفعل بقدرة تقارنه في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة من حركة الفالج» .

(4) انظر د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، مدخل ودراسة ص 307.

(5) انظر البغدادي، الفرق بين الفرق ص، 125وكذا د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق العربية الإسلامية، ص 305، 306.

(6) انظر إمام الحرمين، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ص، 88كذا ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص 397267، ج 3، ص، 450وجولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت