{فَإِنَّ اللََّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلََا يَرْضى ََ لِعِبََادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] ، وقوله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللََّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] وغيرها. وجاء في السنة النبوية [1] : «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له» ، وقوله: «يا عباس بن عبد المطلب اعمل لا أغني عنك من الله شيئا» وغيرها. فهذه نصوص إذا نظر إليها العبد لا يسعه إلا أن يردّ أعمال العباد الاختيارية إليهم معتقدا أنهم يستحقون الثواب إن أحسنوا والعقاب إن أسائوا. وظاهر هذه الأدلة عقلية أيضا تشهد بعدالة الله وبحكمته لأن العبد لو لم يكن موجدا لما اختار من أعماله لما كان ثمة وجه لأن يستحق المثوبة أو العقوبة، وكيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له ولم يصدر عنه؟ [2] .
ولم يجد أهل السنة مع تلك النصوص والأدلة العقلية إلا ترجيح قولهم: إن العبد لا يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وإنما هي خلق الله وحده لكن إذا سئلوا:
كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفق هذا مع عدل الله تعالى وحكمته في تكليف خلقه؟ قالوا: إن العباد وإن كانوا غير خالقين لأعمالهم فإنهم كاسبون لها وهذا الكسب [3] هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب
(1) صحيح البخاري، 4757وكذا صحيح مسلم باب كيفية الخلق 6679، وكذا جامع الترمذي باب ما جاء في الشقاء:، 6679وانظر تفسير القرطبي، ج 9، ص 98، وكذا محمد بن العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر، بيروت 1996، ط 1، ج 2، ص 30. وابن القيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن، دار الفكر، ص 4140.
(2) محمد بن عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، ج 2ص 31.
(3) ذكر الأشعري اختلاف الناس في «خالق» فقال قائلون منهم: معنى أن الخالق خالق، هو أن الفعل وقع منه بقدرة قديمة فإنه لا يفعل بقدرة قديمة إلا خالق ومعنى «الكسب» أن يكون الفعل بقدرة محدثة، فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب وهذا قول أهل الحق واختلفوا في مسألة هل الإنسان فاعل على الحقيقة، فقد رأى المعتزلة إلا (الناشئ بأن) (4) الإنسان فاعل على الحقيقة لا المجاز. بينما رأى أهل السنة الإنسان فاعلا على الحقيقة بمعنى مكتسب ومنعوا أنه محدث: مقالات الإسلاميين، تحقيق هلموت ريتر، ج 1، ص 540539.
ورأى التفتازاني: أن «الخالق هو الله تعالى وبالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش دون البعض وحركة الارتعاش، احتجنا في التقصي عن هذا إلى القول بأن الله تعالى خالق كل شيء والعبد كاسب وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خلق. والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين لكن بجهتين مختلفتين فالفعل مقدور الله تعالى بجهة الإيجاد ومقدور العبد بجهة الكسب «شرح العقيدة النسفية، تحقيق مصطفى مرزوقي، دار الهدى، الجزائر (د. ت) ، ص 7069.
(4) هكذا بالأصل، وهو خطأ. اهـ. مصححه.