فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 451

ويتحقق به عدل الله وحكمته فيما شرّعه للمكلفين. وبهذا حملوا النصوص الأولى على الخلق، وحملوا الثانية على الكسب جمعا بين الأدلة، وإن سئلوا عن الكسب اختلفوا وتعددت وجهة نظرهم فيه، أهو مقارنة القدرة القديمة للحادثة أم هو العزم المصمم؟

لقد بهرت النصوص الأولى أهل السنة فحملوها على الخلق. قالوا إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية. ويهمنا كثيرا ما ذهب إليه صاحب الكشاف في هذا المقام فإن قيل لهؤلاء وللزمخشري: أليس الله خالق كل شيء ومنها أفعال العباد؟ قالوا: بلى إنه خالق كل شيء حتى أعمال عباده الاختيارية. غير أن خلق بعض الأشياء بلا وساطة وخلق بعضها الآخر بوساطة. وأعمال المكلفين من النوع الثاني، خلقها عز وجل بوساطة خلق آلاتها فيه وهي: القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلق بكل من الطرفين فلا حول ولا قوة للعباد سوى أنهم استعملوها على أحد وجهيها: إما بحسن الاختيار وإما بسوئه. ومن هنا يبدو رأي المعتزلة بأنه تعالى خالق أفعال عباده ولكن على سبيل المجاز باعتبار أنه سبحانه خالق أسبابها ووسائلها [1] .

ولكن ألا يستدعي رأي المعتزلة هذا أن يكون العباد المخلوقون مشاركين لله تعالى في فعله في فعل الشر، وهذا يناقض عقيدة التوحيد وبرهان الوحدانية؟

والحقيقة أنهم أرادوا تأكيد حرية الإنسان ومسئوليته. لقد رأوا في جواب هذا التساؤل أن الوحدانية لا تنفي وجود ذوات أو صفات أو أفعال لغيره، وإنما الوحدانية معناها نفي أن يكون له عز وجل شبه في ذاته أو صفاته أو أفعاله. ولا يمنع المعتزلة وجود ذوات لا تشبه ذاته ولا يمنعون وجود صفات مخالفة لصفاته، وهذا ما جعلهم يسألون السنيين: لم تمنعون وجود أفعال من العباد لا تشبه أفعال الله وهو ما نقول به في خلق العباد لأعمالهم التي لا تشبه أفعال الله بحال؟

وأمام رأي الفريقين وتأويلاتها لا نملك إلا أن نقول بأن لكليهما وجهة نظر قوية توظفه بإحكام بما ينأى بها ويبعد عن الوقوع في المحظور [2] .

(1) انظر محمد بن عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، ج 2، ص 31.

(2) انظر م ن، ج 2، ص 3231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت