ولعل هذا يجعل من ينزع إلى تجريح إحدى الفرقتين ناقدا يعوزه إنعام النظر والموضوعية لأنه رغم اختلافهما يلتقيان في آخر المطاف عند نقطة الاعتقاد السديد بوحدانية الله وحكمته. غير أن هذا يقع على الوجه الذي اتضح لكل فرقة وشاع عندها وراج. ولا يحقّ أن يفهم من هذا أنه تكريس فوضى لكل متأوّل في القرآن متلاعب بالنصوص عابث بتعاليم الدين، وإنما ينبغي التفريق بين متأوّل ومتأوّل هل تساعد عليه قوانين اللغة العربية ومقررات الإسلام المقطوع بها المعلومة من الدين بالضرورة وبراهين العقل والمنطق أو لا؟ فنقبل السائغ وإن خالف، ونرد غير السائغ ردا، ونحاربه بلا هوادة لأن التاريخ الإسلامي كشف لنا أن أخطر أعدائه هم الذين حاولوا التلاعب بنصوصه والعبث بمقرراته.
ويطلق هذا الشيء أيضا عند المعتزلة على المعدوم الذي يصح وجوده وعلى الموجود إلا أن المحال لا يطلق عليه، وهو ما تجده في تفسير المصنف عند الآية: {وَقََالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصََارى ََ عَلى ََ شَيْءٍ} [البقرة: 113] : «أي على شيء يصح ويعتدّ به، وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده وهذا كقولهم أقل من لا شيء» [1] . إلا أنه قاصر على الموجود لدى أهل السنة الذين يطلقونه على الموجود، والثبوت، والتحقق، والوجود، والكون. وهي كلها ألفاظ مترادفة عندهم [2] . بينما يراه المعتزلة ما له تحقق في الذهن أو خارجه علما بأن اللغويين يطلقونه على ما يعلم ويخبر عنه [3] .
(1) الكشاف: ج 1، ص 305.
(2) انظر نوران الجزيري، قراءة في علم الكلام الغائية عند الأشاعرة، ص 23وما بعدها.
(3) انظر تفسير الطبري، دار الفكر بيروت، 1405هـ، ج 6، ص 9، ج 7، ص 303، ج 3، ص 100، والدارقطني (علي بن عمر بن الحمد، ت 385هـ) ، رؤية الله، ص 22وما بعدها. وتفسير القرطبي (ت 671 هـ) ، تحقيق عبد العليم البردوني، دار الشعب القاهرة، 1372هـ، ج 1، ص، 404وتفسير النسفي (أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود، ت 710هـ) ، ج 1، ص 44، 259338339، ج 2، ص 35، 36وتفسير ابن كثير، ج 4، ص 487. وزكريا محمد بن أحمد الأنصاري (ت 926هـ) ، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، ج 1، ص، 66والغزي محمد بن محمد بن محمد (ت 1061هـ) ، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، ج 2، ص، 78والشوكاني (محمد بن علي بن محمد، ت 1250هـ) ، فتح القدير بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ص 87.