فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 451

وما عدا الأصوات لا يحق أن يسمع عقلا عند الزمخشري، وهي فكرة اعتزالية صرّح بها قائلا: «فإن قلت: ما تقول في قوله: {فَإِنَّ اللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:

227]وعزمهم الطلاق مما يعلم ولا يسمع؟ قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار لا يخلو من مقاولة ودمدمة، ولا بدّ من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان» [1] . فالعازم على الطلاق وترك الفيئة والضرار لا بدّ أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، ومثل هذا الحديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان فهو عز وجل به سميع عليم. وقد أثبت العلم الحديث هذا فبيّن استحالة التفكير بغير اللغة غير أن ما يتعلق بالله الخالق يصعب التفكير فيه والبت في شأنه لقوله سبحانه: {وَمََا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلََّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] . وهاتان صفتان وردتا باعتبار الشرط وجوابه وقد جاءت صفة السمع هنا لأن المعنى: إن عزموا الطلاق أوقعوه، ولا يكون الإيقاع باللفظ فهو من باب المسموعات والصفة متعلقة بالجواب لا بالشرط لذا قال أبو حيان الأندلسي: لا تحتاج إلى تأويل [2] إن ذلك العزم مما يعلم عند الزمخشري ولا يسمع، ويرى أهل السنة في هذا المعنى أن كل موجود يجوز أن يسمع ويصح أن يرى كالأصوات والروائح والملموسات والطعوم والمعاني بجملتها.

وعلى هذا فلا يترتب على السمع عند المعتزلة أن يكون المسموع صوتا ولا نطقا مثلما اعتقدوا أن موسى عليه السلام سمع الكلام القديم وليس بحرف ولا صوت فليس ثمة ما يدعو إلى الخلاف مع أهل السنة إذا ما أجرى الزمخشري الموجودات على نوعيها المسموع والمرئي التي تعلم بالحس وتعلم بغيره [3] . أما إذا وجه الكلام بأن ما عدا الأصوات لا يجوز أن يسمع عقلا فيخصه ويلزم مذهبه الذي لا ينكرون فيه الكلام النفسي باعتباره خواطر طارئة على النفس، وإنما يعدونه تقديرات تابعة للعبارات اللفظية إذ الكلام حسبهم في الواقع ما كان حروفا يعبر عنها اللسان [4] .

(1) الكشاف، ج 1، ص 365364.

(2) انظر البحر المحيط في التفسير، ج 2، ص 450.

(3) انظر الإيجي، المواقف في علم الكلام، مكتبة المتنبي القاهرة، ص، 302ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص 365، 364وأحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 4241.

(4) لقد طبق المعتزلة هذا الرأي على كلام الله فحين أنكروا الكلام النفسي أثبتوا أن كلام الله ليس إلا ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت