فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 1303

* * * 22إن المعتزلة الذين كثيرا ما وصفوا خطأ بأنهم أحرار مستقلون في تفكيرهم، هم في الحقيقة أول من أسس علم الكلام. وكانوا قد فرغوا من الصراع مع الرافضة: الشيعة المتطرفة وقد دافع المعتزلة على الضد منهم عن دعوى العباسيين، وكذلك مع الجهمية الذين نفوا كل صفة إنسانية عن الله تعالى، وتعصبوا بقوة للقضاء والقدر، وكذلك مع الثنوية المانوية وفلسفة الطبيعة التى كانوا يدعون لها، وهى من آثار الهلينية الزائلة. وفى الصراع ضد المانوية تسلحوا بالفلسفة النظرية، واستخدموها ضد «أصحاب

الحديث» المؤمنين بأن القرآن غير مخلوق، على عكس المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن [1] ، أو تلقوه من الجهمية، برغم أن القرآن هو الأساس الوحيد لعقيدتهم كذلك. وتحت رعاية المأمون نجحوا في رفع القول بخلق القرآن إلى مرتبة عقيدة الخلافة، وذلك في سنة 827م، وأجبر الناس على الاعتراف بها تحت الرقابة والتفتيش، ولكن الخليفة المتوكل (861847م) الثالث بعد المأمون أزال سلطان المعتزلة المطلق [2] تحت تأثير الشافعية. ولم يكد يمضى جيل حتى ظهر الرجل الذى وضع السلاح الفلسفى للمعتزلة في خدمة السنة النبوية، وهو أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعرى، ولد سنة 260هـ / 873م بالبصرة، من أسرة عربية عريقة شريفة، وظل تابعا للجبائى المعتزلى (انظر فيما مضى ص 31) حتى الأربعين من عمره، ويقال إن أول معارضته لآراء شيخه كانت في شهر رمضان سنة 280هـ / 912م. ويرى أتباعه أن هذه المعارضة ترجع إلى أسباب شخصية. وفى الحقيقة أن تقاليد أسرته [3] ، مرتبطة بالوضع السياسى في عصره، قد حركته إلى الانضمام إلى الشافعية.

ثم ارتحل إلى بغداد، حيث قام بنشاط أدبى خصب جدا، ولقد عرف له من الأعمال تسعة وتسعون كتابا، من بينها كثير من الرسائل القصيرة. وترجع مكانته المرموقة إلى التوفيق بين طريقة الجدل ومذهب السنة، وكسب رضى الشافعية خاصة، في حين أن الحنفية أخذوا تعاليم الماتريدى التى لا تختلف في الأصل عن تعاليمه (انظر ص 41فيما يلى) .

ولقد اعترف بآرائه وحججه في علم التوحيد في البلاد التى ساد فيها مذهبا الشافعية والمالكية، وإن اعترضتها في بعض الأحيان ردود فعل أثرت عليها،

(1) يرجع ابن الأثير (فى الكامل 7/ 24سطر 6وما بعده) القول بخلق القرآن إلى أثر يهودى إذ قال إن طالوت ابن أخت لبيد الأعصم اليهودى، معاصر الرسول صلى الله عليه وسلم، قال بخلق التوراة.

(2) فى سنة 279هـ / 892م حرم الخليفة في بغداد على الوراقين بيع الكتب التى تتناول علم الكلام والجدل والفلسفة. انظر: الطبرى 3/ 2131.

(3) كان جده الأعلى أبو بردة المتوفى سنة 103هـ / 722م راوية مرموق المكانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت