ترجع إلى هذه الحقبة من الزمن صحيفة عبد الرزاق بن هماّم عن معمر عن الزّهرى عن سعيد بن المسّيب عن أبى هريرة، ويمكن معرفة مضمون هذه الصحيفة عن طريق ما اقتبس منها في مسند ابن حنبل، وهذه الاقتباسات بروايات كثيرة تتفق سلاسل إسنادها ابتداء من الزهرى (انظر: مسند ابن حنبل 2/ 234233، 236، 240238) ، / فالصحيفة إذن للزهرى أو لسعيد بن المسيّب (المتوفى سنة 94هـ / 713م) ، وتوجد في مخطوط شهيد على 539 (من 119ب 122أ 599هـ) .
ثانيا: كتب الحديث في العصر العباسى
كان اهتمام المشتغلين بالحديث في العصر الأموى منصرفا في المقام الأول إلى كتابة الروايات، وهو ما عرف بمصطلح «تقييد العلم» وإلى جمع النصوص المتفرقة وهو ما عرف بمصطلح «التدوين» وإلى تأليف رسائل مفردة لتحقيق هدف بعينه. وفى أواخر العصر الأموى وأوائل العصر العباسى رتبت المادة ترتيبا مبوّبّا حسب الموضوعات المختلفة وهو ما عرف بمصطلح «تصنيف الحديث» . أما في النصف الثانى من القرن الثانى للهجرة، فقد رتبت المادة وفق أسماء الصحابة الذين أخذوا عن الرسول فظهرت كتب «المساند» وفى هذا الوقت أيضا ظهرت كتب الطبقات الأولى للمحدثين.
وأقدم كتاب ذو ترتيب منهجى نعرفه هو: كتاب السنن في الفقه لمكحول ابن أبى مسلم الشامى (المتوفى سنة 112هـ / 730م أو 116هـ، انظر. ابن النديم 227،،. 212، والمراجع الأخرى المذكورة في الاعلام للزركلى 8/ 212) .
ولكن البداية المعترف بها بصفة عامة لتصنيف الأحاديث تقع ما بين سنتى 125هـ / 742م و 150هـ / 767م، وذلك في زمان وضع فيه كل من ابن إسحاق وأبى مخنف وعوانة بن الحكم، وغيرهم مؤلفاتهم في مجال تدوين التاريخ، وهذه المؤلفات الجامعة الشاملة ذات الترتيب المنهجى إنما جمعت من الرسائل المفردة السابقة.
وتحمل الكتب الأولى ذات الترتيب المنهجى عناوين مثل «مصنّف» ، «سنن»
و «موطّأ» و «جامع» . ومن المرجع أن هذه الكتب المذكورة تضم مجموع الأحاديث التى لم يمكن تصنيفها في أبواب الفقه. فنحن نجد في كتب الحديث معلومات متفرقة عن الكتب الأولى من هذا النوع المؤلفة في أجزاء مختلفة من الدولة الإسلامية (انظر ما كتبه سزكين،. 3493) وبجانب هذا، ظل الاشتغال برواية الأحاديث وبنسخها ذا أهمية كبيرة. ولم يصلنا بطريقة مباشرة إلا قسم ضئيل من هذه الكتب التى لا يحصيها العدّ والتى ترجع إلى ذلك الوقت.