فهرس الكتاب
ويتفق بل ووات على الزعم بأن محمدا كان قارئا كاتبا شأنه في ذلك شأن تجار مكة، الذين كانت نسبة عدد المتعلمين فيهم لا بأس بها، هذا مع أن محمدا، لم يكن تاجرا، بالمعنى الدقيق للكلمة ولم تكن التجارة لتملأ حياته صلى الله عليه وسلم ولم يكن محمد معدودا من كبار التجار ولم يكن تجار مكة يعدّونه واحدا منهم أبدا، حتى عند ما استعملته السيدة خديجة في التجارة، ورافق غلامها = ميسرة = في قافلة إلى الشام ومارس المهنة بالفعل. ثم إن القراءة والكتابة لم تكن ضرورية في هذه الأيام بالنسبة للتجار، ولم تكن كذلك شرطا لتأهيل التاجر، ولا ضرورة مفروضة على كل من أراد أن يغامر في أعمال التجارة بل إنها ليست كذلك حتى في وقتنا الحاضر إذ أن كثيرا من كبار التجار ومهرتهم، لا يحسنون القراءة والكتابة. ولو أن محمدا كان يكتب ويقرأ، لنقل إلينا التاريخ ذلك، ولما أخفاه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فالعلم شرف ما بعده شرف، ومحمد صلى الله عليه وسلم نفسه، هو الذى ارتفع بالعلم إلى درجة العبادة، وإلى حدّ جعل فيه العلم قاعدة الإيمان، وراعى العقيدة وحاميها، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذى حثّ أتباعه على تعلم القراءة والكتابة وحثّهم على تعليم أبنائهم وبناتهم، وجعل العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
ونقول مرة أخرى إنه لو كان محمد صلى الله عليه وسلم قارئا وكاتبا لذكر ذلك معاصروه، ولصار محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الباب متميزا لندرة المتعلمين والقارئين والحاسبين بين قومه ثم إنه ليس من الضرورى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أميا حتى تصح نبوته وليست الأمّية كذلك ضرورية في إثبات إعجاز القرآن، وفى التدليل على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، فجميع الأنبياء السابقين كانوا يقرءون ويكتبون ناهيك بأن ما جاء في القرآن من علوم ومعارف، تتعدى قدرات أكبر العلماء وأبلغ البلغاء.
يقول بل ووات أيضا: = إن المسلمين يعتقدون أن محمدا كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأن هذا يعزّز القول بإعجاز القرآن، وذلك لكونه قد جاء به أمّي =. ويزعم المستشرقين كذلك = لم تتفق كلمة علماء المسلمين الأوائل على أمية محمد وكان مما اختلفوا حوله تطبيق كلمة = أمّي = الواردة في سورة (الأعراف: 158157) ، على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قالوا إن كلمة = أمّي = تعنى غير قارئ وغير كاتب =. وأشار بل ووات أيضا إلى ما جاء في سورة (البقرة: 78) ، لتأكيد هذا المعنى {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لََا يَعْلَمُونَ الْكِتََابَ إِلََّا أَمََانِيَّ} ، ولكنهما يقدّمان فهما آخر، خاصا بهما، للآية فيقولان إنها تفيد أن المشار
إليهم في الآية كانوا قارئين كاتبين، ولم يكونوا أميين، غير أنهم كانوا يقرءون على نحو ما، مستدلين بهذا على أن محمدا كان قارئا كاتبا، على نحو ما أيضا، ويتمسكان بما ورد في الرواية الضعيفة من أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه بعض الكلمات في وثيقة صلح الحديبية التى أبرمت عام 628ميلادية، بينه صلى الله عليه وسلم، وبين وفد مكة الذى بعثوا به إليه. والكاتبان يدركان، بلا شك، ضعف هذه الرواية، ومعارضتها بروايات أخرى، أقوى وأثبت منها ولكنهما يتجاهلان ذلك لأنه لا يخدم غرضهما.