فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 386

يقول بل ووات أيضا: = إن المسلمين يعتقدون أن محمدا كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأن هذا يعزّز القول بإعجاز القرآن، وذلك لكونه قد جاء به أمّي =. ويزعم المستشرقين كذلك = لم تتفق كلمة علماء المسلمين الأوائل على أمية محمد وكان مما اختلفوا حوله تطبيق كلمة = أمّي = الواردة في سورة (الأعراف: 158157) ، على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قالوا إن كلمة = أمّي = تعنى غير قارئ وغير كاتب =. وأشار بل ووات أيضا إلى ما جاء في سورة (البقرة: 78) ، لتأكيد هذا المعنى {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لََا يَعْلَمُونَ الْكِتََابَ إِلََّا أَمََانِيَّ} ، ولكنهما يقدّمان فهما آخر، خاصا بهما، للآية فيقولان إنها تفيد أن المشار

إليهم في الآية كانوا قارئين كاتبين، ولم يكونوا أميين، غير أنهم كانوا يقرءون على نحو ما، مستدلين بهذا على أن محمدا كان قارئا كاتبا، على نحو ما أيضا، ويتمسكان بما ورد في الرواية الضعيفة من أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه بعض الكلمات في وثيقة صلح الحديبية التى أبرمت عام 628ميلادية، بينه صلى الله عليه وسلم، وبين وفد مكة الذى بعثوا به إليه. والكاتبان يدركان، بلا شك، ضعف هذه الرواية، ومعارضتها بروايات أخرى، أقوى وأثبت منها ولكنهما يتجاهلان ذلك لأنه لا يخدم غرضهما.

يضيف بل ووات إلى هذه الرواية الضعيفة ما ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان قد كتب كتابا، فيما يبدو، بنفسه ثم طواه وسلمه لقائد سريته إلى نخلة، قبل غزوة بدر بشهرين، طالبا منه ألّا يقرأه إلا بعد مسيرة يومين، بعيدا عن المدينة. ولسنا نرى في هذا دليلا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذى كان قد كتب الكاتب بيده ولو حدث ذلك لنقل إلينا صريحا ولتواتر العلم به، ولاحتفظ الصحابة بهذا الكتاب. إنه من الأجدر أن يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بكتابة الرسالة في سرية تامة لأنها تحمل معلومات تتصل بشئون الدولة العسكرية، وفضّل النبى صلى الله عليه وسلم لذلك أن يسلمها بنفسه لقائد حملته في هذا الوقت كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجمع حوله لفيفا من الكتّاب الذين يكتبون له.

ولمزيد التوضيح نذكر ما أورده السيوطى فى (الدر المنثور) فى تفسير (آية الأعراف: 157) ، أن بعض السلف ومنهم الأعمش قالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم لم يمت، إلا بعد أن عرف القراءة والكتابة، وهذا قول غريب، بل شاذ، إذ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلم من بشر البتّة، بل من الله تعالى، ويظهر أن القائلين بهذا الكلام، وهو موقوف عليهم، ولا يصلح أن يكون حجة البتّة، رأوا أن معرفة القراءة والكتابة من كمالات النبوة، التى ينبغى أن لا تفوت النبى صلى الله عليه وسلم، وهو الكامل المعصوم [1] .

وهذا التوجيه غير مقبول وغير مقنع في الوقت نفسه فإن تعلم القراءة والكتابة ليس شرفا في حد ذاته، وإنما لما يؤدّيان إليه من تحصيل العلوم والمعارف، وبما يمكّنان من نقلها إلى الغير، والنبى صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله تعالى علوم الأولين والآخرين، وقد انتشر علمه وهديه صلى الله عليه وسلم في الآفاق وأوجد أمما من العلماء في كل مجال من مجالات المعرفة الصالحة.

(1) حول الخلاف في موضوع أمية النبى صلى الله عليه وسلم انظر: الزرقانى مناهل العرفان في علوم القرآن ج 1ص 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت