فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 386

لم يفت المستشرقين أن يعيدا قراءة روايات أحاديث بدء الوحى، لينتزعا منها دليلا على ثقافة محمد صلى الله عليه وسلم، فزعما، من وجه آخر، أنه بمراعاة الاعتبار العام للروايات ودلالاتها، وبناء على القصص المتشابهة بين القرآن والكتاب المقدس، وانطلاقا أيضا من تفسير كلمة = أمى = بمعنى عدم القدرة على القراءة والكتابة، يمكن أن يكون القول بأن محمدا لم يكن يقرأ ولا يكتب ولم يكن له اطلاع على كتب اليهود والنصارى صحيحا، وهذا على عكس ما زعمه ويلش وجمهور المستشرقين، كما ذكرناه مرارا فيما سبق، لكن بل ووات، على الرغم من هذا، يعرضان رأيا آخر له أيضا خطورته في المسألة التى بين أيدينا إذ يزعمان = أن محمدا نعم كان أميا حقا، ولكنه كان مثقفا واسع الثقافة، بصيرا بأحوال العالم من حوله وعلماء التربية يقررون أنه ربما يوجد شخص متعلم يعرف القراءة والكتابة، وهو غبى مأفون، وآخر أمّي لا يعرف القراءة والكتابة، وهو على قدر عال من الثقافة، ويمتلك لديه ثروة هائلة من الآداب والمأثورات الشعبية، بل إن الذى يقرأ ويكتب ربما يضيّع على نفسه فرصة تحصيل مثل تلك الآثار العظيمة وذلك لانشغاله بتعلم هذه الأشياء البسيطة وسواء كان محمد أميا أم متعلما، فإنه كان، ولا شك، مثقفا بثقافة عصره، وعلى المستوى الذى وصل إليه أهل مكة =. يقول الكاتبان، وكأنهما وقعا على صيد ثمين، إن مثل هذه النقطة المهمة ينبغى أن تستعمل في الحجاج والحوار مع المسلمين [1] .

من هذا الكلام تتضح الأغراض التنصيرية من وراء الدراسات الاستشراقية بوجه عام، كما يتضح مقصد الكاتبين من محاولتيهما في الوصول إلى تلك النتيجة الخاطئة، وهي أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان قد وصل إلى المستوى العلمى والثقافى الذى يمكّنه من كتابة القرآن واعتبار القرآن انعكاسا لثقافة محمد وصدى لتجاربه، تلك الثقافة التى جمع محمد أطرافها، في زعمهم، من مظان شتى، ومن مواد متفرقة ومتنوعة، منها ما هو مأخوذ من كتب اليهود والنصارى التى انتقلت إليه الطريقة نفسها التى انتقلت بها الآداب والمأثورات الشعبية نفسها بزعمهم. وبهذا يكون قد تأكد من وجهة نظر المستشرقين أن الإسلام إنما هو خليط ومزيج ذكى لعناصر مختلفة ومتنوعة. والعجيب

(1) بل ووات ص 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت