فهرس الكتاب
أنهم لم يفكروا لماذا كان محمد وحده هو القادر على حفظ التراث والمأثورات الشعبية، ونظمها في سلك واحد، سماه = القرآن = ونسأل أيضا لماذا كان في مكة قرآن واحد، ومحمد واحد، ما دامت المسألة ترتكز على الجهود البشرية؟ إن هذا لأمر عجاب. إن القرآن ليس ثقافة ولا مأثورات شعبية ولا اقتباسات من كتب ولا انعكاسات لبيئة أو ثقافة معينة، وإنما هو كلام الله رب العالمين. ليس القرآن تجميعا لمواد غريبة متناقضة غير منسجمة ولكنه كلام الله الذى لا عوج فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليس لأحد في القرآن آية ولا جزء آية.
وأما زعم المستشرقين بأن القرآن لا يتضمن كلمة = أمّي = بمعنى انعدام القدرة على القراءة والكتابة فزعم متهافت وتحريف لألفاظ اللغة عن معانيها، وتخصيص لمعانى الألفاظ بلا مبرر، إذ أن المعنى الأول لكلمة = أمّي = هو عجز الشخص عن القراءة والكتابة هذا أمر بديهى، ومن القواعد الأصولية المقررة أننا ينبغى ألا نخرج على ظاهر معنى اللفظة أو العبارة إلى غيره، إلا لضرورة توجب ذلك، شريطة أن تكون هذه الضرورة مؤيدة بالدليل. و = الأمي = بالمعنى الظاهر والمشهور مذكور في القرآن بصورة واضحة. وأما قول اليهود {لَيْسَ عَلَيْنََا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (آل عمران: 75) ، فيمكن أن تكون بمعنى الأمية الكتابية أيضا، وصف بها اليهود العرب باعتبار واقعهم من هذه الحيثية فقد كانوا أمة أمية، لا تحسب ولا تكتب، وكان اليهود يطلقون هذا الوصف على غيرهم من الأمم، إظهارا لتفوقهم عليهم بالكتب الإلهية التى نزلت عليهم، كما حكى عنهم القرآن قولهم وقول النصارى: {نَحْنُ أَبْنََاءُ اللََّهِ وَأَحِبََّاؤُهُ} (المائدة: 18) ، وننبه على أن كلمة ، التى يطلقها اليهود على الشعوب غير اليهودية، تأتى النسبة منها هكذا = أممي =، وليس = أمي = وعلى الرغم من هذا فإنه ليس هناك مانع في أن تحتمل الكلمة معانى كثيرة تحددها القرائن.
يدعي ويلش، علاوة على ما سبق، أن تسمية = القرآن = ب = الكتاب = و = الوحي = إنما ظهرت في السور المدنية، أو في أشكال التعبير القرآنى في السور المدنية وذلك عند ما دب النزاع بين محمد واليهود في المدينة، وحدث التقاطع بينهما، ويئس محمد صلى الله عليه وسلم من انحياز
اليهود لدينه، وقع هذا في وقت قريب من غزوة بدر (1) ونلاحظ أن كلام المستشرقين يخرج كثيرا على عرف البحث العلمى ومنهجه. إنهم يبنون أحيانا نتائج كثيرة غائمة على ظنيات وتخمينات واهمة وواهية وليس هكذا تورد الإبل عند الكلام عن كتاب المسلمين الذى يحوطهم ويحوطونه ويحفظهم ويحفظونه. إن القرآن منذ البداية يعى ذاته ويدرك أبعاد نفسه، والنبى محمد صلى الله عليه وسلم يعرف منذ بدء الوحى أن ما جاءه به جبريل عليه السلام كان وحيا من عند الله وقد تكلمت آيات مكية كثيرة ومتقدمة في النزول عن القرآن ك = كتاب = و = وحي = و = تنزيل =، وأن المقاطعة أو النزاع الذى حدث بين النبى واليهود أو غيرهم، لم يؤثر البتّة في بناء النص القرآنى لا في الشكل ولا في المحتوى. وكون القرآن قد اتخذ مواقف مع اليهود، أو كشف نواياهم ومخططاتهم، فإن هذا لا يعنى أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الذى سجل ذلك في القرآن وصاغه على هذا النحو. إن في القرآن آيات مدنية تمجد التاريخ النبوى لليهود وآيات أخرى تذكر اليهود بعهودهم مع الله، وبما جاءتهم به رسل الله، وبالمعجزات التى جرت لهم على أيدى أنبيائهم فالقرآن كله ليس هجوما على اليهود، ولا صدى لمصادمات وقعت بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم كما يدعى هذا الكاتب وغيره من المستشرقين.