فهرس الكتاب
يدعي ويلش، علاوة على ما سبق، أن تسمية = القرآن = ب = الكتاب = و = الوحي = إنما ظهرت في السور المدنية، أو في أشكال التعبير القرآنى في السور المدنية وذلك عند ما دب النزاع بين محمد واليهود في المدينة، وحدث التقاطع بينهما، ويئس محمد صلى الله عليه وسلم من انحياز
اليهود لدينه، وقع هذا في وقت قريب من غزوة بدر [1] ونلاحظ أن كلام المستشرقين يخرج كثيرا على عرف البحث العلمى ومنهجه. إنهم يبنون أحيانا نتائج كثيرة غائمة على ظنيات وتخمينات واهمة وواهية وليس هكذا تورد الإبل عند الكلام عن كتاب المسلمين الذى يحوطهم ويحوطونه ويحفظهم ويحفظونه. إن القرآن منذ البداية يعى ذاته ويدرك أبعاد نفسه، والنبى محمد صلى الله عليه وسلم يعرف منذ بدء الوحى أن ما جاءه به جبريل عليه السلام كان وحيا من عند الله وقد تكلمت آيات مكية كثيرة ومتقدمة في النزول عن القرآن ك = كتاب = و = وحي = و = تنزيل =، وأن المقاطعة أو النزاع الذى حدث بين النبى واليهود أو غيرهم، لم يؤثر البتّة في بناء النص القرآنى لا في الشكل ولا في المحتوى. وكون القرآن قد اتخذ مواقف مع اليهود، أو كشف نواياهم ومخططاتهم، فإن هذا لا يعنى أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الذى سجل ذلك في القرآن وصاغه على هذا النحو. إن في القرآن آيات مدنية تمجد التاريخ النبوى لليهود وآيات أخرى تذكر اليهود بعهودهم مع الله، وبما جاءتهم به رسل الله، وبالمعجزات التى جرت لهم على أيدى أنبيائهم فالقرآن كله ليس هجوما على اليهود، ولا صدى لمصادمات وقعت بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم كما يدعى هذا الكاتب وغيره من المستشرقين.
يزعم ويلش وأشياعه من المستشرقين، إضافة إلى ما سبق، بأن مواقف الصراع بين محمد واليهود جعلته يغيّر موقفه من كتبهم، إذ بعد أن وصفهم بأنهم = أهل كتاب =، وبأنهم = أوتوا الكتاب =، عاد فقال إنهم فقط = أوتوا نصيبا من الكتب =، وليس الكتاب كله، مشيرا في هذا الصدد إلى قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتََابِ يُدْعَوْنَ إِلى ََ كِتََابِ اللََّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلََّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (آل عمران: 23) {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتََابِ يَشْتَرُونَ الضَّلََالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ}
(النساء: 44) ، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتََابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطََّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هََؤُلََاءِ أَهْدى ََ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} (النساء: 51) المراد = بالذين = في الآيات هم أحبار اليهود بخاصة، وليس كل اليهود قال الله تعالى لعامة اليهود
(1) مقدمة بل ووات للقرآن ص 33.