فهرس الكتاب
ولغيرهم إن الأحبار قد حصّلوا نصيبا من التوراة قد يكون حفظا أو فهما، و = من = في الآيات المذكورة إما أنها للتبعيض بمعنى أنّ ما كان مع هؤلاء المشار إليهم من التوراة، لم يكن هو كل التوراة وإما أنها للبيان بمعنى أنهم حصّلوا من جنس الكتب المنزلة، أو من اللوح المحفوظ، التوراة التى جاء بها موسى، وهى في ذاتها نصيب عظيم [1] ولنا أن نفهم أيضا عبارة = أوتوا نصيبا من الكتب = على أنها إشارة كذلك إلى تحريف التوراة، وكتب الأنبياء. والتحريف معناه أن كتب اليهود والنصارى، التى بأيديهم، يختلط فيها الإلهى بغير الإلهى.
يغور الكاتب في زعمه أكثر فأكثر، إذ يقول: إنه في أواخر العهد المكى وأوائل العهد المدنى، نقل إلينا القرآن أن محمدا كان قد تحدّى بأن يأتى بكتاب يقرؤه الناس بأنفسهم، فعلى سبيل المثال، يقول القرآن: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى ََ فِي السَّمََاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتََّى تُنَزِّلَ عَلَيْنََا كِتََابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلََّا بَشَرًا رَسُولًا} (93) (الإسراء: 93) ، يضرب الكاتب هنا في عماية بتجاهله للآيات القرآنية التى أشار إليها هو نفسه، والتى تتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، كله أو بعضه وأن الله سبحانه وتعالى قال في مواضع كثيرة في القرآن إنه صرّف في القرآن من كل مثل مقنع، وأقام فيه من الأدلة الكثيرة الدامغة، كما أظهر المعجزات بعضهم إلا فجورا وطغيانا، حتى لقد تركوا الممكن، وطلبوا المستحيل الذى لا يصلح دليلا على صحة الكتاب. والقرآن نفسه يعد أكبر دليل على صدق الذى جاء به، وهو محمد صلى الله عليه وسلم بل وعلى صدقه في نفسه. قال الكافرون في الآية نفسها التى أشار إليها المستشرق بطريقة تخدم غرضه إنهم لن يؤمنوا حتى يفجر لهم محمد ينبوعا في الصحراء، أو ينشئ لهم جنة حافلة بالنخيل والكروم تجرى خلالها الأنهار وتضطرب فيها العيون بالماء، أو أن يسقط عليهم السماء كسفا أى قطعا كما توعدهم، أو يأتى لهم بالله والملائكة قبيلا، أو يبنى لنفسه بيتا من زخرف، أو يرقى في السماء ويحضر لهم كتابا من
(1) الزمخشرى. الكشاف ج 1ص 181.