فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 386

إنه حسب رواية المفسرين، التى اعتمد عليها المستشرقون، فإن حكاية الغرانيق قد وقعت في السنة الخامسة من البعثة النبوية، مع أن السورة تتحدث عن معجزة الإسراء والمعراج، التى وقعت قبل ذلك، أي قبل الهجرة بعام وبالتالى يكون زعم المستشرق موير وأمثاله، المبنيّ على الروايات الضعيفة، بأن المهاجرين إلى الحبشة قد عادوا إلى مكة عند ما سمعوا بالمصالحة بين محمد صلى الله عليه وسلم وكفار قريش، زعما لا أساس له وحتى لو كان تاريخ وضع هذه الحكاية الملفقة متزامنا مع عودة المسلمين المهاجرين من الحبشة، لما صلح ذلك أن يكون سببا في حد ذاته لعودتهم من الحبشة وذلك لأن الروايات على اختلافها وهجنتها، تقول بأن فترة المصالحة المزعومة كانت قصيرة، عاد بعدها الموقف على ما هو عليه بين النبى صلى الله عليه وسلم والكفار وما كان للأخبار في مقدور هذا الزمان أن تصل بهذه السرعة من مكة إلى الحبشة وما كان للمسلمين المهاجرين أن يعودوا قبل أن يتحققوا من صحتها وسلامتها قبل عودتهم وكيف بالله يصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تصالح مع قريش على حساب الدّين، الذى خرجوا بسببه عن الأوطان والأهل والديار، بعد أن عذّبوا وأوذوا في سبيل الله تعالى! الحقيقة أنهم عادوا عند ما سمعوا بإسلام عمر بن الخطاب وإعلانه بالتحدي لقريش واستمراره في هذا التحدى. هذا هو الواقع وهذا هو الشيء المعقول والمقبول. ثم كيف يتمنى الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا ينزل الله عليه شيئا يفرق بينه وبين قومه

الكافرين بالله متى اجتمع بهم رسول صلى الله عليه وسلم، ومتى هادنهم، وهو الذى صك أسماعهم، وصدع فيهم بأمر الله تعالى، وهو القائل لعمه أبى طالب (يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه) [1] .

= وقد ثبتت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله تعالى وهو كفر، أو يسور (يتسلط) عليه الشيطان ويشبّه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبى صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر أو سهوا، وهو معصوم من هذا كله واستحالة جريان الكفر على قلب النبى صلى الله عليه وسلم أو لسانه لا عمدا، ولا سهوا أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل أو أن يتقوّل على الله تعالى عمدا، ولا سهوا ما لم ينزل عليه = [2]

ناهيك بما في الحكاية من تكلف في المواقف واختلاف العبارات وغرابة فجميع المشركين يسجدون إلا اثنين منهما، يقبضان حفنة من تراب، ويسجدان عليها لضعفهما، مع أن السّجدة جاءت في آخر السورة، وهم لا علم لهم بالسجود، وما كان لهم ليقلدوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما لا يعلمون، وأن يغيروا خطتهم هكذا سريعا لمجرد سماع بعض كلمات غير مفهومة تفصيلا وهو أمر يثقل على النفوس، وبخاصة النفوس الموقرة بالحقد والغيظ ومصادم كذلك لأحكام الطبائع والنفوس، وبخاصة العربية الجاهلية منها.

أضف إلى ذلك أن الحديث جدّ مشكل، وليس له في الصحاح أصل ولا فرع، ولم يروه ثقة بسند متصل وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون، المتيمون بكل غريب، المفتنون بكل سقيم وصحيح دون تمييز كما أوضحناه. إن هذا الدين قد ابتلى بأهل الأهواء، والملاحدة، والزنادقة الذين حاولوا أن يصلوا إلى تحريف القرآن وهيهات. ذكر القاضى عياض قول أبى بكر البزار أن هذا الحديث لم يرو عن النبى صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل وإنما عرف

(1) ابن هشام سيرة ج 1ص 240.

(2) الشفا ج 2ص 294293

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت