عن الكلبى والكلبىّ ممن لا تجوز الرواية عنهم. وقد أجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم [1] .
وسئل محمد بن إسحاق عن هذه القصة فقال هى من وضع الزنادقة وقد صنف فيها كتابا. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى إن هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وطعن في روايتها.
وللإمام الرازي نظرات متعمقة ومستوعبة لشعاب هذه المسألة ذكرها في تفسيره = مفاتيح الغيب = في سياق تفسيره لقوله تعالى: {وَمََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلََا نَبِيٍّ إِلََّا إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى الشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} الآيات (الحج: 52: 54) . [2]
وروى البخارى في صحيحه أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن، ولم يذكر فيها حكاية الغرانيق. وروى هذا الحديث من عدة طرق وليس فيه ذكر الغرانيق.
وإن كنا نتردد في قبول إمكان سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى يقول: {فَمََا لَهُمْ لََا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذََا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لََا يَسْجُدُونَ} (21) (الانشقاق: 2120) . ويضيف القاضى عياض أن هذه القصة تستحيل نظرا وعرفا لأن الكلام لو صحت روايته لكان بعيد الالتئام متناقضا يمتزج فيه المدح بالذم، ضعيف النظم، مخلخل التركيب، ولما كان النبى صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين، وصناديد (شجعان) المشركين من يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حكمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!! ويضيف القاضى عياض دليلا عقليا وتاريخيا على ضعف القصة ووضعها السقيم أنه من عادة المنافقين ومعاندى المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل حادثة، وتعييرهم للمسلمين والشماتة بهم، الفينة بعد الفينة وارتد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أنّ أحدا ارتد بعد تحت تأثير هذه الحكاية الضعيفة ولو صح وقوع هذه الحكاية لوجدت
(1) انظر: القاضى عياض الشفا ج 2، ص 292291. وعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبى. تفسير الثعالبى الموسوم بالجواهر في تفسير القرآن. بيروت. مؤسسة الأعلمى للمطبوعات. بدون تاريخ. ج 3ص 84، 85.
(2) انظر الفخر الرازي. مفاتيح الغيب ج 7، ص 298وما بعدها. دار الغد / القاهرة 1999م