يقول أبو منصور الأزهرى محمد بن أحمد: = جاء في التفسير أن كتب أهل الأديان مثل
التوراة والإنجيل والزبور، إنما يتلوها أهلها نظرا ولا يحفظونها كأن يسردها أحدهم عن ظهر قلبه سردا، ولأنهم لا يكادون يحفظونها من أولها إلى آخرها كما أنزل الله حفظا، كما تحفظ هذه الأمة القرآن، ومن عجيب تيسير الله القرآن إجراؤه للذكر والمذاكرة بإقداره لمن لم ينزل بلسانه، ومن لا يفهم معانيه أن يحفظه، كما يحفظه من نزل بلسانه من العرب وأمكنه أن يفهم تأويله، وأن يحفظه الأمي الذى لا يكتب ولا يتلو الكتب، والقارئ الرّيّض، والصغير والكبير والمعرب والفصيح والألكن = [1] .
ذكر الله تعالى أن القرآن هو نعمة الله على البشر، وأن فيه الهدى والنور واليقين والسعادة والفوز في الدارين وأن الله ما فرّط فيه من شيء ولا ترك أمرا فيه صلاح الإنسان إلا أنزله فيه، وأن القرآن كتاب جامع لكل أصول العلوم بصنوفها المختلفة، بل إن القرآن نفسه كتاب علم وعلى قاعدته أسّست المعرفة الإسلامية، وبه قامت دولة الإسلام وسيست الأمة الإسلامية ودبرت شئونها. وعلم القرآن ليس علما تجريديّا أو نظريا يراد به التهويم أو التهويل أو عزل الناس عن الحياة، وإنما هو علم مقرون بالعمل لا ينفك عن الإيمان الراسخ والأخلاق السامية والقيم العالية والأهداف النبيلة البتّة، وكما ذكر الله تعالى فضل القرآن، كذلك نوّه النبى صلى الله عليه وسلم بالقيمة الأسمى لهذا الكتاب العظيم عن عثمان بن عفان عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: = خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه = انفرد بإخراجه البخاري. وروى عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه يقال لقارئ القرآن: = اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها = أخرجه أبو داود [2] وروى عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: = لا يعذّب الله قلبا وعى القرآن =. وروى أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: = إن لله أهلين من الناس حملة القرآن هم أهل الله وخاصته = أخرجه الديلمى عن عقبة بن عامر.
وروت عائشة رضى الله عنها، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: = من تعلم القرآن وحفظه، أدخله الله الجنة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّ قد استوجب النار = رواه ابن ماجة في المقدمة.
ومن خطبة للنبى صلى الله عليه وسلم: = إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زيّنه في قلبه،
(1) معانى القراءات ج 1ص 9291عدّلنا كلمة = يحفظونه =، وشطبنا كلمة = منهم = في النص ليستقيم المعنى.
(2) حديث رقم 1464ج 4ص 73والترمذى في السنن (4/ 250)