فى اختلاف المصاحف العثمانية فيما بينها، إذ يمكن إرجاعها في الأغلب إلى اختلاف القراءات المتلقاة عن النبى صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمرو الدانى في المقنع = فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف قلت: السبب في ذلك عندنا أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها، مما لا يصح ولا يثبت، نظرا للأمة، واحتياطا على أهل الملة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله عز وجل كذلك منزلة، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة، وعلم أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكن إلا بإعادة الكلمة مرتين، وفى رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير للمرسوم ما لا خفاء به ففرقها في المصاحف لذلك، فجاءت مثبتة في بعضها، ومحذوفة في بعضها، الآخر لكى تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله عز وجل، وعلى ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف الأمصار [1] .
وقد قلنا في أكثر من مناسبة في هذا الكتاب إن حفظ القرآن لا يعتمد على الخط وحده، وإنما على حفظ القلوب أيضا. يقول ابن الجزرى في كتابه = النشر في القراءات العشر =: = إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة = [2] . واستشهد ابن الجزرى على ذلك بحديث مسلم [3] : = أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا كلّ مال نحلته عبدا حلال وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا فقلت ربّ إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال استخرجهم كما
(1) المقنع 114
(3) النووى على مسلم 1/ 198.