كتبوا لأنفسهم مصاحف التزموا فيها بترتيب النزول، كالإمام على، إذ أن مصحفه يحتوى على الترتيب التالى: = اقرأ، ثم المدثر، ثم المزمل، وهكذا وقع هذا من على وغيره قبل أن يعرف الترتيب التوقيفى للقرآن لكنه لما عرفه أخذ به مثل سائر الصحابة [1] رضوان الله عليهم. وبقيت المصاحف الأخرى مصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبىّ، لمجرد البحث في تاريخ القرآن.
ومن المفيد نقل هذا الاعتراض والرد عليه وهو لصاحب مقدمة كتاب المبانى = كيف صح قولكم أن القرآن مرتب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب؟ وأن الصحابة لم ترتبه بأنفسها؟ وقد انتشرت الأخبار أن أول ما نزل على النبى صلى الله عليه وسلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (1) ، وقوله: {يََا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} (1) . وقالوا: إننا وجدنا مصاحف عتقا مفرّقة في البلاد منسوبة إلى عبد الله بن مسعود على خلاف هذا الترتيب الذى في أيدينا فكيف يجوز مع هذا الخلاف الظاهر أن يدّعى أن هذا الترتيب متفق عليه؟
قلنا: إنه قد روينا فيما تقدم عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1) ، يعنى أن الله عز وجل أنزله جملة إلى سماء الدنيا، ثم كان ينزل منها نجوما السورة بعد السورة، والآية بعد الآية على حسب الحاجة إليه وإلى معرفة أحكامه، وتعليمه، وترتيبه، ومعرفة موضع كلماته وسوره. ومثال هذا في الشاهد أن تعلم المبتدئ، أنه يبتدئ بتلقينه من أول القرآن، وربما يبتدئ من آخره، وقد يبتدئ من وسطه سورا متفرقة من القرآن على حسب رغبة المبتدئ، وحرصه واحتياجه إلى تعلمه ثم لا تأمره بأن يحفظ على هذا الترتيب الذى لقّنه، بل تأمره أن يضع كل سورة منها في موضعها عند الحفظ والجمع والدراسة والتلاوة. كذلك كان جبريل عليه السلام ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة على حسب الحاجة كما تقدم عن ابن عباس وأبى بن كعب. يدل على هذا الذى ذكرنا أن مصاحف كثيرة قد وجدت وهى متفقة غير مختلفة بحمد الله ومنّه.
ثم يسوق المؤلف رحمه الله رواية عن محمد بن كعب القرظى يقول فيها: = رأيت مصاحف ثلاثة: مصحفا فيه قراءة ابن مسعود، ومصحفا فيه قراءة أبىّ، ومصحفا فيه
(1) الإتقان 1/ 176والبخارى. خلق أفعال العباد ضمن عقائد السلف ص 209.