ومهما قيل فإن القرآن لا يمكن أن يفهم إلا من جهة لغة العرب ولا سبيل إلى طلب فهمه من غير هذه الجهة، وكونه يشتمل على ألفاظ أعجمية أو لا يشتمل أمر ينبغي أن لا نتوقف عنده، وبخاصة إذا كان العرب قد تكلمت بهذه الألفاظ وجرت في خطابها وفهمت معناها وصيرتها من كلامها من قبل أن ينزل القرآن الذى جاء كله على أساليب العرب ومعانيهم وقواعد لغتهم [1] .
على أنه يمكن القول بالإضافة إلى ما سبق، أن هذه الألفاظ المشتركة بين العربية وبعض اللغات الأخرى من غير العربية إنما جاءت من اللغة الأولى التى علمها الله تعالى لآدم عليه السلام كما في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا} (البقرة: 31) يتضح هذا غاية الوضوح إذا عرفنا أن الألفاظ العربية في القرآن والتى قال البعض بأعجميتها كلها أسماء أشياء أو أشخاص، وإنه من المحتمل والمعقول أيضا أن تكون هذه الأسماء أو الألفاظ عربية في الأصل ثم انتقلت منها إلى هذه اللغات ثم عادت فيما بعد إلى أصلها.
والعجيب أن بعض الروايات ترد علينا بالحكاية عن توقف ابن عباس في معنى لفظة ما. وفى الوقت نفسه تجيء روايات أخرى عنه بتفسير هذه اللفظة بعينها، ومسائل نافع بن الأزرق خير شاهد على ذلك.
وقبل أن نأخذ أمثلة من هذه الألفاظ التى قيل بأنها أعجمية نحب أن نذكر أن علماء المسلمين قد وصلوا بهذه الألفاظ إلى نحو مائة وتسع عشرة كلمة، وقد عدها الزركشى خمسة وعشرين لفظا، وأمّا اللغات التى جاءت منها هذه الألفاظ فهى اليونانية، والفارسية، والعبرية، والأمهرية، والهندية، والقبطية وعدّ السيوطى مائة وتسع عشرة كلمة ولكن المستشرق ويلش يصل بها إلى مائتين وخمسة وسبعين لفظا! نستعرض الآن بعض الألفاظ التى يقال أنها أعجمية. ثم نبين بالدليل وجودها في اللغة العربية قبل نزول القرآن واستعمال الشعراء والأدباء لها.
لفظة = آية = على سبيل المثال التى ردها المستشرق إلى أصل غير عربى كما مر بنا استعملها النابغة الذبيانى في شعره، يقول من قصيدة له.
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع [2]
وكلمة = حنانا = تعرفها العرب استعملها ورقة بن نوفل بمعنى = البركة أو الرمز
(1) الشاطبى. الموافقات 2/ 49، 50.
(2) شيخ رضى الدين بن الحسن الأسترآباذي النحوى (ت: 686) شرح شافية ابن الحاجب. مع شرح شواهده لعبد القادر البغدادى صاحب خزانة الأدب تحقيق محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محى الدين عبد الحميد دار الفكر 19751395ص 108.