شيئا بخلاف مراد الله تبارك وتعالى كما ذكرنا من قبل، هذا مع أنه فسرها على ما جاء في إحدى الروايتين وينبغى أن نأخذ في الاعتبار أن توقّف ابن عباس فيها ليس معناه أن الكلمة غير عربية فقد أورد ابن الصلاح في مقدمته بإسناده عن على كرم الله وجهه أنه سئل عن معنى = الحنان المنان =، فقال: = الحنان من يقبل على من أعرض عنه، والمنّان الذى يبدأ بالنوال = [1] وأثبت علماء اللغة أن للفظة = حنان = وجود في اللغة العربية والسريانية والعربية الجنوبية القديمة [2] .
كلمة = تحت = قالوا هى بالنبطية بمعنى بطنى ولما وجدوا الكلمة بهذا المعنى تنطبق أكثر على الآية {فَنََادََاهََا مِنْ تَحْتِهََا} أى من داخل بطنها تكلفوا القول بأن الكلمة نبطية وقالوا أن الذى ناداها هو عيسى عليه السلام وهو في بطنها، وبالتالى صرفوا هذا الكلام عن جبريل عليه السلام، ومن هنا قالوا إن مريم لم تكن نبية ولم يخاطبها جبريل وفى هذا تكلف أيضا.
ففي السورة نفسها أن جبريل كما كان يخاطب الأنبياء بالوحي، تمثّل لمريم بشرا سويّا وكلّمها وبشّرها وراجعته وطمأنها ثم إن كلمة = تحت = إذا فسرت ببطن لا يستقيم المعنى، إذ لم يعرف أن المسيح تكلم وهو في بطن أمه، والذى يثبته له القرآن وكذلك السنة هو معجزة الكلام في المهد، لا في البطن. ومما تفيد معرفته في هذه القرينة، أن النصارى لا يعتقدون في أن المسيح تكلم في المهد، كما جاء في القرآن، ويقولون إنه لا يوجد شىء يثبت ذلك في كتبهم، مع أن كتبهم لا تحتوى إلا على القليل من حياة المسيح عليه السلام، وهذا القليل لا يمكن أن يثبت في حد ذاته الوجود التاريخى للمسيح، لذلك فقد شكك كثير من الكتاب الغربيين في وجود السيد المسيح عليه السلام.
وهذا ما يقرره ابن عباس. ثم إن كلمة = تحت = لا تفيد غير الجهة التى هى أسفل والمنادى الذى كان ينادى على مريم أنه كان إما هو الملاك جبريل والذى كان في مكان أخفض من مكانها [3] أو كان عيسى عليه السلام هو الذى ناداها يطمئنها، وهذا غير ممتنع وقوعه قبل معجزة المهد إذ أن إشارة مريم، عند تعبير أهلها لها، كانت إلى عيسى، وفى كلام عيسى في المهد ما يوحى بأن حادثة مماثلة قد وقعت للطفل، وقد كانت مريم متأكدة أنه عند ما أشارت لهم إليه انه سينطق ببراءتها كما نطق بتسليتها.
أما كلمة {قِطَّنََا} (ص: 16) فقد عدها القاسم أبو عبيد بن سلام نبطية وهى
(1) انظر ص 544. وانظر ابن عطية المحرر الوجيز 9/ 437والإتقان 1/ 85وديوان طرفة قافية الضاد.
(2) انظر عبد الصبور شاهين القراءات القرآنية ص 351.
(3) المحرر الوجيز 9/ 457.