ونمضى الآن في دراسة موضوع = القرآن = كلفظ قرآنى، فنلقى مزيدا من الضوء على الآيات، التى بنى عليها المستشرق ويلش، رأيه، بالنسبة للفعل = اقرأ =، الذى اشتق منه القرآن، والذى سبق أن قلنا إنه كان أول ما نزل من الوحي. يخبرنا الكرمانى في شرح حديث = بدء الوحي = برواية البخارى، أن قوله تعالى: {اقْرَأْ} (العلق: 1) ، تفيد العموم، ولا تخص قراءة شيء بعينه ولذلك تعجب النبى صلى الله عليه وسلم، وعارض جبريل ثلاث مرات سائلا، أو مقررا، ما أنا بقارئ؟! يعنى ماذا تريدنى أن أقرأ، وما أنا بقارئ أى أنه لا يعرف القراءة والكتابة، ولم يسلك سبيل التعلم البتّة، فجاءت عبارة: = باسم ربّك = لتفيد أن اسم الله، ربه ومربيه، هي أداته في القراءة والتعلم، وأن ما سيقرؤه هو من عند الله تعالى. وبهذا دخلت القراءة في القرآن، وحددت نوع المقروء (يعنى القرآن) وحددت كذلك من هو المعلّم للقراءة، وهو الله، الرب الذى يربى وينشئ، ويؤتي من لدنه العلم لمن شاء أن
يصطفيه من البشر [1] .
اتخذ الكرمانى من عبارة = باسم ربّك = دليلا على أن البسملة من القرآن ولكننا نرى أن هذا الاستدلال بعيد فالبسملة بصيغتها المعروفة، غير مصرح بها في ابتداء آيات سورة العلق التى نزل بها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، ولا في أحاديث بدء الوحي كذلك ثم إن عبارة = باسم ربّك = تختلف عن عبارة = باسم الله =، التى تختص محمدا صلى الله عليه وسلم بالخطاب التربوى التعليمى ثم إن الآيات متصلة لم يتخللها شيء من خارجها، ولو أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة مفتتحا بها قراءته لهذه الآيات، لكان قد بلّغها للسيدة خديجة، ثم للصحابة من بعدها، وهو ما لم يحدث ولم يصلنا فيه علم.
نقل القرآن عن كفار مكة قولهم: {وَإِذََا تُتْلى ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ قََالَ الَّذِينَ لََا يَرْجُونَ لِقََاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هََذََا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلََّا مََا يُوحى ََ إِلَيَّ إِنِّي أَخََافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شََاءَ اللََّهُ مََا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلََا أَدْرََاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلََا تَعْقِلُونَ} (16) (يونس: 1615) نزلت هذه الآيات في قريش عند ما طلبوا منه قرآنا يوافق هواهم في الحلال والحرام، والعقيدة والعبادة، والمعاملات، والسلوك، وإذن اتخذوه صلى الله عليه وسلم خليلا ووافقوه وواصلوه إلا أنّ ردّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء حاسما ومفحما: {مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي} يعنى أن الله تعالى هو منزل الكتاب، وصاحب الخطاب، والمتصرف في الوحي والرسالات، وإنما أنا متلق ومبلّغ، فإذا شاء الله تبديل القرآن استجابة لكم، بدّله، فهو سبحانه وتعالى مطلق المشيئة. ليس في هذا الكلام أى إشارة إلى إمكان تبديل القرآن، وهذه الآية لا تعني أكثر من طريقة في الخطاب، ومنهج في الحجاج، وهو من باب قوله تعالى: {لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلَّا اللََّهُ لَفَسَدَتََا} (الأنبياء: 22) ، إذ ليس فيه دليل ولا تقرير على إمكان وجود إلهين للكون، وإنما على العكس، فيه تأكيد استحالة وقوع ذلك، عن طريق ردّ المخاطب إلى النظر في النظام الكونىّ المعجز الدالّ على الوحدانية والقدرة والحكمة ومن هذا أيضا قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعََابِدِينَ} (81)
(1) الكرمانى شرح صحيح البخارى ج 1ص 34 (المطبعة المصرية 1933) .