فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 386

مجرد نقل كلمات أو رصف عبارات، والذى يخشى من الترجمة هو ضياع المعانى والصور والظلال والتصورات أثناء رحلة النص من لغة إلى أخرى، ومهما كانت الترجمة من الدقة والأمانة فإنها تصيب النص بشيء من التغيير، والمترجم ولا بد واضع فيها نفسه، ومسقط فيها من نفثه، وكلما كان النص أرقى في لغته كلما صعبت ترجمته، وبخاصة النصوص التى تحتوى على قيمة جمالية كبرى كالذى تحمله الفواصل والمقاطع، كما في حالة الشعر على سبيل المثال فقد منع الجاحظ أو استبعد أن تنقل معانيه إلى لغة أخرى، دون أن نضحى بالكثير من معانيه وآثاره في النفس والحس، إننا يمكن أن نشبه الترجمة بعملية مضغ الطعام ليأكله من ليس له أسنان يمضغ بها، إن المتناول للطعام على هذا النحو يفقد بلا شك الكثير من نكهة الطعام ومذاقه، وقد يصاب بالأمراض إذا كان ماضغ الطعام مصابا معلولا.

وإن مما يقوّي كلامنا هذا ما جاء عن الفقهاء في تحريم قراءة القرآن بالمعنى، ولما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: = اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم =. أخرجه الطبرانى والبيهقى.

فالمسلم منهيّ عن قراءة القرآن بغير لحون العرب، فما بالك بقراءته مترجما، ولكل لغة طريقة في النطق وأسلوب في التعبير، والترجمة ما هي إلا تعبير عن لغة بلغة أخرى.

وعند المالكية أن الصلاة لا تجوز بغير القرآن العربى. وفى حاشية الدسوقى على شرح الدردير للمالكية [1] ، أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير العربية فإن عجز عن النطق بها خلف من يحسنها، وإذا لم يجد إماما سقطت عنه الفاتحة. وقال إنه يجب على كل مكلف أن يتعلم الفاتحة بالعربية وأن يبذل وسعه في ذلك ويجتهد في تعلمها وما زاد عنها إلى أن يحول الموت دون ذلك، وهو بحال الاجتهاد فيعذر إذن [2] ومن المفيد أن نشير إلى أن الإمام مالك رضي الله عنه يتشدد في ضرورة الالتزام حتى بشكل الكتابة والخط في كتابة القرآن. وجاء في المغنى [3] أن الحنابلة لا يجيزون القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظ بلفظ عربى سواء أحسن

(1) انظر: 1/ 232، 236. وأيضا تفسير القرطبى 1/ 126.

(2) النقل بتصرف من محمد مصطفى الشاطر. القول السديد. 48، 49.

(3) ابن قدامة المغنى 1/ 536.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت