فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 386

ولا نستطيع في هذا المقام المحدود أن نتتبع كلام العلماء في هذا الموضوع بالتفصيل ولكن من المفيد أن نذكر أنه في عام 1932بدأ بعض الأتراك (بضغط من زعماء التحديث) يجربون الصلاة باللغة التركية، ويقرءون القرآن بهذه اللغة، وقد أحدثت هذه المحاولة المغرضة جدلا واسعا، وحادا في أوساط المسلمين في البلدان الإسلامية المختلفة وقد ادعى أنصار التجديد والتغريب في تركيا أن الأتراك لا يفهمون القرآن بالعربية لذا

وجب أن يصلوا بالتركية، وقرروا بمكر عمل ترجمة تركية للقرآن لا تضم معها الأصل العربى. ورد المحافظون على ذلك من جانب آخر بأنه لا مانع من ترجمة القرآن لكنهم منعوا الصلاة بالنص المترجم، وقالوا إن الترجمة تخل بالأصل وتذهب بجماله.

والصلاة بالقرآن المترجم، بدعة سيئة بلا شك، لما تؤدى إليه من هجر القرآن المنزل واتباع ترجمة لا يمكن، مهما اجتهد المترجمون، أن تقترب من النص القرآنى العربى، فضلا عن إمكان إخراجها بألفاظ وأشكال وتراكيب معجزة تستوعبه.

وبنى المؤيدون للصلاة بالترجمة رأيهم هذا على رأى أبى حنيفة، الذى أباح فيه الصلاة على هذا النحو مع أن الإمام أبا حنيفة لو صح عنه النقل، فقد قصر الإباحة على الحالات التى يعجز فيها المسلم عن أداء الصلاة بالعربية، وحددها بمدة واشترط إلى جانب ذلك أن يجتهد المرء في تعلم القرآن باللغة العربية، وأن يبذل الجهد والوسع في ذلك.

نقل الأمير شكيب أرسلان في = حاضر العالم الإسلامى =، عن ابن خلكان أن السلطان محمود بن سبكتكين جمع مجموعة من العلماء، وطلب إلى كل واحد منهم أن يصلى على مذهب صاحبه، وأن يقارنوا بين مذهب الشافعى وأبى حنيفة، فتقدم القفال المروزى بصلاة الشافعى فأحسن فيها على مذهبه، ثم توضأ وصلى بصلاة الحنيفة، وتساهل في الطهارة، وقرأ آية من القرآن بالفارسية، ثم قال هذه صلاة أبى حنيفة، فطلب السلطان كتب أبى حنيفة، فأحضرت فقرأ منها ما يتعلق بالصلاة فوجده موافقا لما فعله القفال [1] .

ونرى أن هذه الحكاية موضوعة أساسا بغرض تدعيم القول بجواز الصلاة بالفارسية من خلال رأى أبى حنيفة، وإظهار أن السلطان نفسه لم يوافق على هذا، مما يدل على شيوع الجدل حول موضوع الترجمة بين علماء المسلمين.

وقد طعن ناقل هذه الحكاية في ابن خلكان ووصفه بالتعصب للشافعى على أبى حنيفة [2] . هذا مع أن الشافعى كان يكبر الإمام أبا حنيفة ويذب عنه.

وقد تضمنت فتوى الشيخ المراغى شيخ الأزهر الأسبق، فتوى شمس الأئمة السرخسى وأصل هذه المسألة أن المصلي إذا قرأ في صلاته بالفارسية جاز عند أبى حنيفة

(1) حاضر العالم الإسلامى 1/ 206.

(2) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت