فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 386

إن الله تعالى يؤكد أيضا استحالة الإتيان بمثل القرآن من طريق البشر، في مثل هذه الآيات إذ يقول تعالى: {وَمََا كََانَ هََذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى ََ مِنْ دُونِ اللََّهِ وَلََكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتََابِ لََا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعََالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ} (38) (يونس: 3837) ، ويقول: {مََا كََانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ََ وَلََكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (111) (يوسف: 111) أى أن القرآن ليس حديثا أو كلاما مما هو في مقدور البشر ويقول كذلك: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرََاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ

مُفْتَرَيََاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (13) (هود: 13) ، تحدّاهم الله بالإتيان بمثل سورة منه أو عشر سور أو بالإتيان بمثله كله، إن أمكنهم ذلك مراعيا قدراتهم المتنوعة، ومتوسعا معهم في الخطاب، دفعا للمعاذير، واضطرارا لهم إلى التسليم بصحة التنزيل، وذلك أن المفترى أسهل، ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب ولهذا قيل: فلان يكتب كما يقال، وفلان يكتب كما يريد وللأول فضل على الثانى، وبينهما شأو بعيد.

لم يستجب أحد من أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم وأعداء القرآن قاعدة رسالته، للتحدي، ولو بمجرد المحاولة والشروع في معاناة القول لقد اكتفوا بالتشنيع والتنقيص كقول الله حكاية عنهم: {إِنْ هَذََا إِلََّا إِفْكٌ افْتَرََاهُ وَأَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} (الفرقان: 4) ، وقولهم:

{أَسََاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (5) (الفرقان: 5) ، وقولهم: {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} (2) (القمر: 2) ، وقولهم: {إِنْ هََذََا إِلََّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هََذََا إِلََّا قَوْلُ الْبَشَرِ} (25) (المدثر: 2524) ، وهم في هذا لم يخرجوا عن دائرة المعاندين من كفار العرب، ومن أقوام الأنبياء السابقين الذين قالوا لأنبيائهم: {قُلُوبُنََا غُلْفٌ}

(البقرة: 88) ، وقالوا: {قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ وَفِي آذََانِنََا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنََا وَبَيْنِكَ حِجََابٌ} (فصلت: 5) ، وقولهم: {لََا تَسْمَعُوا لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) (فصلت: 26) ، وكما فعل قوم نوح مع نوح عليه السلام: {جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبََارًا} (7) (نوح: 7) .

وأما عن موقف الكفار من طريقة نزول القرآن واعتراضهم عليها، فيقول تعالى:

{وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلََا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ وَرَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلََا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّا جِئْنََاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} (33) (الفرقان: 3332) ففي هذا دليل على أن كفار قريش كانوا يعرفون القرآن باسمه هذا منذ البداية، وأنهم قالوا لو كان القرآن حقا من عند الله لنزل على محمد جملة واحدة، كالكتب السابقة التى سمعوا عنها، قال بهذا ابن عباس.

ويمكن لنا أيضا أن نقول إنهم أرادوا بطلبهم هذا، مجرد العناد والمكابرة والتشويش

على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إنهم اعتقدوا في أنفسهم أن القرآن لو نزل جملة واحدة، لاستطاعوا أن يواجهوه مرة واحدة، وأن يجتمعوا له، وينتصروا من ثمّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أن يتجدد التنزيل ويتواكب عليهم بالدعوة والرد والمعارضة، ويتجدد لذلك الإيمان في قلوب أتباع محمد بتجدد نزوله، ويكسبه مؤيدين دائما، فهذا ما لا يستطيعون صدّه ولا ردّه. كذلك يمكن أن يقال ربما فكر الكفار في أنه لو نزل القرآن جملة في كتاب أو ألواح، لأمكنهم أن يتضافروا على اغتصابها وحرقها، كما حدث لبعض كتب الأنبياء السابقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت