فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 386

ويمكن لنا أيضا أن نقول إنهم أرادوا بطلبهم هذا، مجرد العناد والمكابرة والتشويش

على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إنهم اعتقدوا في أنفسهم أن القرآن لو نزل جملة واحدة، لاستطاعوا أن يواجهوه مرة واحدة، وأن يجتمعوا له، وينتصروا من ثمّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أن يتجدد التنزيل ويتواكب عليهم بالدعوة والرد والمعارضة، ويتجدد لذلك الإيمان في قلوب أتباع محمد بتجدد نزوله، ويكسبه مؤيدين دائما، فهذا ما لا يستطيعون صدّه ولا ردّه. كذلك يمكن أن يقال ربما فكر الكفار في أنه لو نزل القرآن جملة في كتاب أو ألواح، لأمكنهم أن يتضافروا على اغتصابها وحرقها، كما حدث لبعض كتب الأنبياء السابقين.

ويرد الله تعالى على اعتراض الكافرين على طريقة نزول القرآن بقوله بأنه إنما أنزله منجّما، الآيات بعد الآيات، ليثبت به قلب محمد صلى الله عليه وسلم، في وجه الأزمات والمعارضات والمضايقات، وأيضا ليثبت به تلك الآيات في قلبه حفظا، إذا لو أعطاه الله القرآن جملة، لصعب عليه حفظه، وشغل جميع وقته في قراءته واستظهاره، وشغلته العناية بضبط القرآن واستظهاره عن بناء الدولة، وتشكيل الأمة، ورعاية مصالح المسلمين، ولاحتاج النبي صلى الله عليه وسلم في تحصيل ذلك إلى معونة غيره، ممن يعرف القراءة والكتابة، وهذا يفتح باب الشّبهة ويوسّع للكفار ويمهد لهم الطريق إلى القدح في القرآن، والطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميا، فناسب كذلك أن ينزل عليه القرآن منطوقا، لا مكتوبا، وأن ينزل عليه منجما، ومرتبا حسب النوازل والحوادث، وأيضا بحسب طاقة النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يعاني من التنزيل شدة، ولا يمكن أن يقال إنه كان بمقدور الله أن ينقش القرآن في قلب محمد صلى الله عليه وسلم وذاكرته فهذا بخلاف ما رتب الله عليه طبائع الأشياء وإلا ففي قدرة الله أن يدخل الجنة بلا تكليف، وأن ينشئ الذرية بلا تزويج، وأن يغذّى بلا طعام، ويروي بلا شراب، ويشفى بلا دواء، وينضج بلا نار الخ. وحتى لو نقش الله القرآن في قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما انقطع بذلك لجاج المشركين، بل ربما ازدادوا عتوّا ونفورا، وكبرا وصدودا.

أشار ويلش فيما أشار إلى قوله تعالى: {فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (18) ، وفهم أن الله تعالى هو القارئ للقرآن بنص هذه الآية. والصحيح أن القارئ هو جبريل عليه السلام، ولكن الله أسند القراءة إلى نفسه، لتكون بمثابة الدليل على صدق جبريل فيما نقله عن الله فالقرآن كلام الله المسموع أولا من جبريل ثم من محمد ثم من الصحابة ثم ممن جاء

بعدهم من المؤمنين إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة. وهذا تأكيد لحفظ الله للقرآن، فالله قد ائتمن عليه ملاكا لا تعتوره الآفات البشرية من الوهم، والخطأ، والنسيان ونبيا صادقا كريما، ثابت القلب، صافي الذهن متجردا من شواغل الدنيا وصوارفها، محتسبا وقته كله لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت