أشار ويلش فيما أشار إلى قوله تعالى: {فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (18) ، وفهم أن الله تعالى هو القارئ للقرآن بنص هذه الآية. والصحيح أن القارئ هو جبريل عليه السلام، ولكن الله أسند القراءة إلى نفسه، لتكون بمثابة الدليل على صدق جبريل فيما نقله عن الله فالقرآن كلام الله المسموع أولا من جبريل ثم من محمد ثم من الصحابة ثم ممن جاء
بعدهم من المؤمنين إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة. وهذا تأكيد لحفظ الله للقرآن، فالله قد ائتمن عليه ملاكا لا تعتوره الآفات البشرية من الوهم، والخطأ، والنسيان ونبيا صادقا كريما، ثابت القلب، صافي الذهن متجردا من شواغل الدنيا وصوارفها، محتسبا وقته كله لله تعالى.
موقف آخر من مواقف الكفار ضد القرآن تحكيه هذه الآيات: {وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهََذَا الْقُرْآنِ وَلََا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (سبأ: 31) قالوا ذلك عن القرآن والقرآن لم يكتمل نزوله بعد إذ القرآن يطلق على الجزء، كما يطلق على الكل، وذلك كما أشرنا إليه آنفا.
{وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لََا تَسْمَعُوا لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) (فصلت: 26) ، دعوة إلى عدم توقير القرآن، وتحفيز للعامة على تعييبه وتحقير شأنه، ابتغاء الغلبة وهذا الموقف في حد ذاته، يحكى ضعف الكفار وعجزهم عن معارضة القرآن، إذ لو أمكنهم ذلك، لجمعوا له قواهم، وجندوا من أجله طاقاتهم الأدبية والفكرية، وشجعوا أهل العلم بينهم على معارضته وتحديه، ولم يلجئوا إلى هذه الوسيلة السلبية العبثية وهي صرف الناس عن الاستماع إليه، والتشويش عليه.
روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذا صلى جهر بالقراءة، فكان المشركون يطردون عنه الناس، وقالوا: {لََا تَسْمَعُوا لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) (فصلت: 26) وإذا أخفى قراءته لم يسمع ذلك من يشتهى أن يسمعه فأنزل الله تعالى: {وَلََا تَجْهَرْ بِصَلََاتِكَ وَلََا تُخََافِتْ بِهََا وَابْتَغِ بَيْنَ ذََلِكَ سَبِيلًا} (110) (الإسراء: 110) [1] . في هذا الحديث دلالة على معرفة قريش بالقرآن مبكرا. وهناك أخبار كثيرة تفيد أن القرآن كان معروفا هكذا باسمه، من بداية الوحي بين المسلمين والكفار على حدّ سواء.
ورد ذكر الفعل = قرأ = الذى اشتق منه القرآن، بصيغ مختلفة، سبع عشرة مرة في الذكر الحكيم اثنتا عشرة منها جاءت في قرينة قراءة القرآن بخاصة، على سبيل المثال:
(1) البخارى = خلق أفعال العباد بعقائد السلف = ص 173.