فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 386

من هذه الآيات نتبين أن القوم كانوا أهل جدال وعناد، ولم يكونوا طلاب حقائق بالمرة. ولكن ينبغى أن نلاحظ أيضا أن الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ليسوا هم كل الكفار، وإنما جماعة منهم فقط، وهم عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البحترى، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل وهؤلاء هم رءوس الكفر آنذاك، وكلام هؤلاء المجادلين يخلو من الفكر والنظر، وهو وليد المكابرة والمهاترة، فهم قد جزموا سلفا بعدم الإيمان، إذ قالوا له: = لن نؤمن لك = أى لن نصدقك فيما تقول، ولم يقولوا = لن نؤمن بك = لأن الإيمان به يقتضى اتباعه لا مجرد تصديقه، فالقضية عنادية. وصراعهم مع محمد صلى الله عليه وسلم، كان من أجل الرئاسة والزعامة فحسب لقد تعنتوا بمطالبته أن يفجر لهم عين ماء جارية في الأرض الجدباء أن تكون له حدائق غنّاء وزروع فيحاء، تنساب فيها مياه الأنهار عذبا فراتا أن يسقط عليهم السماء من فوقهم فلقا فلقا وقطعا قطعا كما أخبرهم بحسب زعمهم أن يكون له بيت فخم من ذهب، شأن أهل الرئاسات في الدنيا أن يصعد إلى

السماء على سلّم أمام أعينهم فيحضر لكل واحد منهم كتابا باسمه، يقول الله له فيه بخاصة آمن بمحمد واتبعه.

هذا هو المعنى المقصود في الآية، وليس ما زعمه ويلش من أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا مقدسا كالتوراة والإنجيل، فالعرب لم يعرفوا تفصيلا كيف أعطى الله موسى التوراة، وعيسى الإنجيل، حتى يطالبوا محمدا بإحضار كتاب على هذا النحو وثانيا: فإنه ليس من المعهود في الوحي، أن يصعد النبى إلى السماء على سلّم، لكى يتلقى الكتاب بيمينه من الله تعالى. إنّ شأن المكابر أنه يحاول أن يخرج الرسالة عن طبيعتها، ويحول بين النبى وبين الناس.

ولكى يقوّى المستشرق ويلش زعمه في تحديد طبيعة الكتاب الذى طلبه المشركون من محمد صلى الله عليه وسلم أشار إلى قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ} (يونس: 94) ، يريد بذلك أن يقول إن النبى صلى الله عليه وسلم، والعرب كذلك كانوا يعرفون كتب اليهود والنصارى، الذين هم أهل الكتاب وهو أمر بعيد التصور والاحتمال. ولكى تتضح المسألة أكثر، نتكلم في معنى هذه الآية هنا باختصار، إذ كثيرا ما يرفعها الكتابيّون القدماء، والمحدثون منهم دائما في وجه المسلمين لمدافعة اعتقادهم في تحريف اليهود والنصارى لكتبهم.

ونعرض الآن ما يقوله علماء المسلمين فيها:

قال بعضهم: لا يجوز الشك على رسول الله صلى الله عليه وسلم البتّة. وفسر الحسن = إن = بمعنى = ما = النافية وبالتالى تكون الآية، في نفى الشك، لا في إثباته، ونرى أن هذا التوجيه بعيد، ولا يستغرق بحال، ما في الآية، من الأمر بسؤال أهل الكتاب، وحثه صلى الله عليه وسلم ألا يكون من الممترين، أى الشاكين [1] .

ويقدم القاضى عبد الجبار (ت: 415هـ 1024م) رأيا آخر في المسألة فيقول: = المراد بعبارة = فإن كنت في شكّ = أى من شكّ بالفعل في ذلك، أى في صحة القرآن على وجه الزجر أو أنه تعالى قال ذلك لأهل الكتاب، الذين يجوز أن يسألهم

(1) ابن عطية المحرر الوجيز. ج 7ص 219217، وأيضا. ابن تيمية الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ج 1ص 341وما بعدها. السعودية، مطابع المجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت