فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 386

غيرهم عما في الكتب من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم [1] ، وهذا التوجيه الأخير فيه تكلف وبعد عن مرامى الخطاب في الآية الكريمة =.

ويرى ابن عطية أن الصواب في المسألة أن يقال إن الآية تخاطب النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة. وتتوجه بالخطاب من خلاله، إلى كل من يشك أو يعارض، وهو توجيه حسن وله شواهد تظاهره. وقال قوم آخرون هو على منوال قولك = إن كنت ابني فبرّنى = وأنت لا تشك أنه ابنك، وإنما تستحثه على البرّ بك.

وعلق أبو حيان على الآية بقوله إنّ = إن الشرطية = تقتضى تعليق شيء على شيء، ولا تستلزم تحقق وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك من باب المستحيل عقليا كقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعََابِدِينَ} (81) (الزخرف: 81) ومستحيل أن يكون لله ولد، وكذلك فإنه من المستحيل أن يشك محمد فيما أوحى إليه، ويقدم ابن عطية على ذلك مثلا آخر من قوله تعالى: {وَإِذْ قََالَ اللََّهُ يََا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اللََّهِ قََالَ سُبْحََانَكَ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مََا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}

(المائدة: 116) ، والله يعلم أن عيسى لم يقل ذلك، وهو برىء منه. ولذلك روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت عليه هذه الآية = أنا لا أشك ولا أسأل = [2] .

ويمكن أن يكون الشك المشار إليه في الآية، وتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لسؤال أهل الكتاب، خاصا بمسائل معينة، أو حوادث مشتركة بين القرآن وبين الكتب السابقة كأن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قد استكثر ما فعله اليهود بأنبيائهم، أو أخفوه هم والنصارى من كتبهم، أو اختلفوا فيه فيما بينهم، فأراد الله تعالى أن يثبّت قلب نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، التى أمر فيها أن يسألهم عن هذه الأمور الخاصة، ليرى من واقعهم، صدق ما قاله الله له في القرآن، ولذلك جاء بعده: = لقد جاءك الحق من ربك = ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أحدا من أهل الكتاب مما يدل على عدم وجود الشك في نفسه، أو وقوعه منه بالفعل.

ومهما يكن الأمر، فإن في هذه الآية مدلولا علميا وتربويا عظيم الأثر فإنها تأمر بإزاحة الشك، والوصول إلى اليقين بالسؤال والاستفسار، أو تأكيد اليقين بسؤال أهل العلم

(1) تنزيه القرآن عن المطاعن، ص 179.

(2) أخرجه عبد الرازق وابن جرير، وروى من طرق أخرى باختلاف يسير في العبارة. المحرر الوجيز. ج 7ص 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت