{ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} ، وقال له بعد أن كلّمه: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنََا مَكِينٌ أَمِينٌ}
وكيف غلبت الطاعة غلبة الشهوة، وتحول حبّ الأبدان إلى حب الديّان، وكيف خرج يوسف من البئر المظلم، وبيع بالثمن البخس، مع الزهد فيه، ووصل إلى سدة العرش، وإدارة شئون الأرزاق، في بلد ليس له فيه نصير إلا رب العالمين!
ثانيا: تكون = الآية =، بمعنى = العلامة =، كما في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} (المؤمنون: 50) ، جعلناهما = آية = لأن مريم حملت، دون أن يمسسها بشر ولم تك بغيّا، وعيسى ولد من غير منىّ رجل، ولم يكن هذا في ولد البتّة. والآية في خلق عيسى على هذا النحو، ليكون دالا على قدرة الله تعالى، وتصريفه وتنويعه في الخلق، لا ليكون برهانا على ألوهية عيسى أو ربوبية أمه لأن الميلاد، والموت، والتحول، والانتقال من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، ومن وقت إلى وقت، والتغذى، والتداوى، والانفعال، والأمل، واليأس، كلها أمارات على الحدوث، ودلائل على الخلق والضعف فعيسى وأمه بشرين ممن خلق الله، بأمارة الصفات البشرية، التى جرت عليهما يقولون = افعله بآية كذا = أى بعلامة كذا أو أمارته وهى من الأسماء المضافة إلى الأفعال، كقول الشاعر:
بآية تقدمون الخيل شعثا ... كأن على سنابكها مداما
عرفنا من هذا أن = الآية = تطلق ويراد منها = الوحدة = أو = الجزء من السورة = وسميت = آية = لأنها علامة، وأمارة على صدق من أتى بها، وعلى عجز المتحدى بها، وعلى تميزها كما أن فيها دليلا، على سلامة القرآن من التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، وأن لفظة = آية = أيضا تطلق على = المعجزة = و = العبرة = و = المثل =، كما أوضحناه من قبل. وينبغى أن يكون واضحا في أذهاننا، أن السورة من القرآن، تتألف من عدد معين من الآيات، وأن عدد الآيات، وحدودها، معروف من طريق الشرع، لا من طريق الاجتهاد، ولا مجال للرأى، ولا للقياس في ذلك قاله على بن أحمد الواحدى (ت: 468هـ / 1075م) ومحمود بن عمر الزمخشرى (ت: 538هـ / 1143م) وناصر الدين بن المنير (ت: 363هـ / 1149م) ، جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم، أن الفاتحة سبع آيات، وسورة الملك ثلاثون آية، وصح أنه قرأ العشر آيات الأخيرة من سورة آل عمران، وأضاف أن تقدير الآي، من المفصل في القرآن الكريم، ومن الآيات طويل وقصير، وصدق الله تعالى إذ يقول: {كِتََابٌ فُصِّلَتْ آيََاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (3) (فصلت: 3) فتفصيل الآيات بمقاديرها، هو من عمل الله تعالى، لا من عمل محمد صلى الله عليه وسلم، أو غيره، ومعنى = فصّل =، أى حدد وبين أحد
الشيئين من الآخر، حتى لا يكون بينهما فاصل أو فرجة ومنه قيل = المفصل والمفاصل =. (1)