بهذا نلاحظ أن الكاتب قد اقتحم منطقة حساسة من عالم القرآن، دون خريطة أو معلومات صحيحة ودقيقة، تبين له المعالم وتوضح له الغامض ودون دليل يهديه للمقدمات الصحيحة والنتائج الصائبة، التى يمكن أن تترتب عليها. لقد ضل ويلش هنا في شعاب المسائل ومرامى القرائن القرآنية ولكى نبرز الخطأ الذى وقع فيه لا بد أن نعود مرة أخرى إلى الآيات التى ذكرها أو أشار إليها في سياق مناقشته للفظة = كتاب = في القرآن.
بالنسبة لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ (78) لََا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) (الواقعة: 77: 79) ، فالكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، ومعنى = مكنون = أى محفوظ عند الله لا تصل إليه يد فتعبث به وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه مكنون لتعظيمه وإعلاء قيمته وأهميته كما في قوله تعالى: {كَأَمْثََالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (23) (الواقعة: 23) ، قيل عنى بالكتاب المكنون الكتاب المحفوظ وقيل هو قلوب المؤمنين. [1]
فى آيات سورة الواقعة السابقة، ردّ على كفار مكة، الذين زعموا أن هذا القرآن من تنزلات الشياطين فأخبر الله تعالى أن القرآن في كتاب مكنون، شأنه شأن سائر الغيوب، التى استأثر الله بعلمها، ولا تنزّل إلا بأمره، وأنه لا يمسه إلا المطهرون أما الشياطين فإنهم عنه معزولون، لا يصلون إليه، ولا يقتربون منه، فضلا عن أن يأتوا بمثله يقول تعالى: {وَمََا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيََاطِينُ (210) وَمََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمََا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} (212) (الشعراء: 210: 212) ، فالقرآن لا يمسه إلا المطهرون أى الملائكة وفى مقدمتهم جبريل عليه السلام، الذى نزل به وفى الأرض فإنه ينبغى أن لا يمس القرآن من البشر إلا طاهر القلب، وطاهر العقل، وطاهر القصد والنية.
روى أبو داود في المراسيل من حديث الزهرى، في الكتاب الذى أمر النبى صلى الله عليه وسلم بكتابته لعمرو بن حزم = لا يمس القرآن إلا طاهر =، وفى هذه القرينة، ننبه على تناقض الكفار في أوصافهم للقرآن فهم تارة يقولون إنه من إملاء الشياطين، وتارة أخرى يقولون
(1) الراغب الأصفهاني. مفردات ألفاظ القرآن. ص 727.