إنه أساطير الأولين اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم فهى تملى عليه بكرة وأصيلا، ومرة ثالثة يدّعون أن محمدا أخذه من رجل باليمامة يقال له الرحمن، ورابعة يدّعون أنه تلقاه من أعجمى كان يعمل حدّادا بمكة، ومرة يقولون عن محمد صلى الله عليه وسلم إنه ساحر، وأخرى إنه مسحور وعلى الرغم من كل هذه الدعاوى، لم يستطع واحد منهم أن يظهر المصدر البشرى الذى يدعيه للقرآن، أو يدل بصدق على المعلّم الذى أخذه منه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان خصوم محمد صلى الله عليه وسلم يملكون المال والجاه والسلطان، كما كانت لهم الغلبة في مضمار البلاغة والبيان ولكنهم اعتبروا مجرد الدعوى دليلا وهذه هى آفة المكابرين الجاهلين في كل عصر وفى كل مصر.
ونتساءل لماذا اختصت الشياطين محمدا بالقرآن بالرغم من أنها لم تكن لها سبيل إليه، لا قبل النبوة ولا بعدها وكيف يملى الشيطان كلاما كالقرآن، وهو الذى تصب عليه اللعنات فيه ومنه يتعلّم الناس مكايده، وحيله، وطرق مغالبته وصده، وعصيان أمره كيف والاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة قبل الشروع في قراءة القرآن الكريم وأن من شعائر الحج في الإسلام، رجم الشيطان وأن في كل شعيرة من شعائر الإسلام، تحقيرا له وإذلالا وكان النبى صلى الله عليه وسلم يستعيذ بكلمات الله التامة من كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامة [1] .
ومن المفيد أن نشير في هذا الصدد إلى الافتراض، أو الزعم، الذى قدّمه معارضو القرآن، على عصر ابن كمونة اليهودى، الذى عاش في القرن السابع الهجرى يقول أهل الإفك، وهكذا افترض ابن كمونة: = لم لا يجوز أن يكون القرآن أنزل على نبي آخر دعا محمدا أولا إلى دينه، وإلى هذا الكتاب، فأخذه منه محمد، وقتله، فلا جرم لم يظهر اسم ذلك النبى، وبقى الكتاب في يد محمد؟ =، يرد ابن كمونة على هذا الاحتمال، المستحيل عقلا ونقلا، بقوله: = إن كل عاقل لو رجع إلى نفسه وأنصف، علم أن هذا لم يقع ثم إن في القرآن عدة مواضع تدل على أنه صلى الله عليه وسلم هو المختص به دون غيره، يعرف ذلك من تأمّل ما جاء فيه من حكاية أحوال النبى صلى الله عليه وسلم في وقته، ومع أزواجه، ومع المنافقين والكفار = [2] . هذا صحيح ونضيف أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت بالقرآن جملة واحدة، ولا قدّمه إلى الناس، مجموعا في كتاب وإنما تلقاه مشافهة من جبريل عليه السلام، وفى مراحل زمنية متباعدة، أو متقاربة، وفى أماكن مختلفة، ونسأل أصحاب هذا الزعم، أى نبي هذا الذى يأتى، ولا يعرفه إلا شخص واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم؟! وأىّ شخص هذا الذى يصلح أن يكون نبيا، ويؤتمن على كتاب من عند الله،
(1) البخارى. خلق أفعال العباد بعقائد السلف ص 192190.
(2) ابن كمونة. تنقيح الأبحاث في الملل الثلاثة. نشرة برلمان ط جامعة كاليفورنيا 1967ص 7270.