ولا يستطيع أن يحميه؟ أىّ عاجز هذا؟ ثم لماذا اختص هذا النبى المزعوم محمدا دون بقية العرب، وأعيانهم، ووجوههم؟
هل يعتقد عاقل أن دينا كالإسلام، يقوم على الخطف، والاغتصاب، والقتل وهو الدين الذى يحرّم كل ذلك ويضع لمرتكبيه أفظع الحدود وأقساها ناهيك بأن هذه الغارة المتخيلة، تتنافى مع أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم وشخصيته. ولكن يبدو أن أعداء الإسلام، يهون عليهم ترك عقولهم عند ما يتعاملون مع هذا الدين القويم.
يعرض علينا ابن كمونة اليهودى الذى أسلم وحسن إسلامه عجيبة أخرى من ترّهات القوم، إذ ينقل عن بعضهم قوله: إنه من المحتمل = أن محمدا طالع في كتب من تقدمه، أو سمعها، فانتخب أجودها، وضم البعض إلى البعض أو أنه كان يترصد كلمات الناس، ويستقرئها فما وجده من كلمة رائقة، أو نكتة فائقة، نقّحه، وجمعه، ورتبه قرآنا = واستشهد صاحب هذا الزعم، بما جرى من عبد الله بن أبى سرح [1] ، أحد كتّاب الوحي، عند ما كان النبى صلى الله عليه وسلم يملى عليه آيات من سورة (المؤمنون: 11: 14) ، والتى يتحدث الله فيها عن مراحل خلق الإنسان، حتى إذا ما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {فَكَسَوْنَا الْعِظََامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقًا آخَرَ} لهج ابن سرح على الفور بهذه العبارة = فتبارك الله أحسن الخلقين = فقال صلى الله عليه وسلم: = اكتب فهكذا أنزلت = فارتد الرجل وجمع به هواه، فظن أنه يوحى إليه كمحمد صلى الله عليه وسلم [2] .
هذا الخبر صحيح لا شك فيه ولكن أصح منه، أن القرآن يتلاقى مع الفطرة، وبخاصة عند ما يتكلم القرآن عن الله تعالى، وعن عمله في الخلق والإبداع وأصح منه كذلك، أن ابن أبى سرح لو كان يستطيع آنذاك، أن يتلقى وحيا أو يكتب كلاما مثل كلام الله تعالى فلماذا لم يستمر في تلقى الوحى، وكتابة ما يوحى إليه؟ لماذا وقف عند هذه الجملة ولم يتعداها وكان المجال أمامه أفسح من الصحراء التى يعيش فيها؟ لماذا انقطع خبره عند هذه الدعوى؟ ولم يعرف عنه أحد إلا هذه الجملة وهذه الحكاية، التى أثبتتها كتب الحديث؟ والتى
(1) عبد الله بن أبى سرح بن سعد بن الحارث العامرى القرشى، أسلم وهاجر، وكانت له صحبة، وكتب للنبى صلى الله عليه وسلم ثم ارتد وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وولّى في خلافة عثمان، وبعد مقتله رضى الله عنه، اعتزل الناس والتزم العبادة، ودعا الله أن يتوفاه بعد الصلاة، فمات بعد تسليمه من صلاة الصبح. ذكره السهيلى.
(2) انظر تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث. ص 7270.