لو لم يسجلها المحدّثون ما سمع بها ولا به أحد وأين أعداء محمد صلى الله عليه وسلم منه؟ لماذا لم ينتفعوا به ويعارضوا بكلامه كلام الله تعالى، الذى بلغه محمد صلى الله عليه وسلم.
ونرى أنه من المفيد أن نشير هنا إلى الحديث الذى رواه عكرمة أن عبد الله بن أبى سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد مشركا، وصار إلى قريش فقال لهم: = إنى كنت أحرّف محمدا حيث أريد، كان يملى عليّ = عزيز حكيم =، فأقول: أو = عليم حكيم =؟
فيقول نعم كلّ صواب. وفى حديث آخر برواية السدى فيقول له النبى صلى الله عليه وسلم: = اكتب كذا = فيقول = أأكتب كذا =؟ فيقول: = اكتب كيف شئت =، ويقول اكتب = عليما حكيما = فيقول أكتب = سميعا بصيرا =؟ فيقول له: = اكتب كيف شئت =. وفى الصحيح عن أنس رضى الله عنه أن نصرانيا (يقال إنه رجل من بنى النجار) كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلم، ثم ارتد، وكان يقول: = ما يدرى محمد إلا ما كتبت له =.
بعد أن أشار إلى هذين الحديثين قال القاضى عياض الأندلسى: = فاعلم، ثبّتنا الله وإياك على الحق، ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلا، أنّ مثل هذه الحكاية أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا. إذ هى حكاية عمن ارتد وكفر بالله، ونحن (أى علماء الحديث) لا نقبل خبر المسلم المتهم، فكيف بكافر افترى هو ومثله على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا =، ويضيف القاضى عياض = ولم يرد عن أحد من المسلمين، ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله (أى ابن أبى سرح أو هذا النصرانى) وافتراه على نبى الله صلى الله عليه وسلم =، يقول تعالى: {إِنَّمََا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ بِآيََاتِ اللََّهِ وَأُولََئِكَ هُمُ الْكََاذِبُونَ} (105) (النحل: 105) [1] .
ويقول القاضى عياض إن الصحيح في ذلك هو حديث عبد الله بن عزيز بن رقيع (التابعى) عن أنس وليس في هذا الحديث عن أنس قول شىء من ذلك من قبل نفسه، إلا من حكايته عن النصراني ولو كانت أى الحكاية صحيحة لما كان فيها قدح، ولا توهيم للنبى صلى الله عليه وسلم فيما أوحى إليه، ولا جواز للنسيان، والغلط عليه والتحريف فيما بلّغه، ولا طعن في نظم القرآن وأنه من عند الله إذ ليس فيه لو صح أكثر من أن الكاتب قال له: = عليم حكيم =، أو كتبه فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: = كذلك هو =. فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما
(1) انظر. الشفا بتعريف حقوق المصطفى. تحقيق محمد أمين على وآخرين. ج 2ص 307306، عمان. مؤسسة علوم القرآن، ودار الفيحاء 1407هـ / 1986م